أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

عندما يصبح النقل قضية دولة تفقد يوميا خيرة شبابها


أ.د محمد الفرجات

عندما يصبح النقل قضية دولة تفقد يوميا خيرة شبابها

مدار الساعة ـ

أقولها بصراحة: فشل الحكومات المتعاقبة في بناء منظومة نقل عام آمنة ومنظمة أصبح له ثمن بشري واقتصادي واجتماعي ندفعه كل يوم.

فالأردن يفقد من شبابه ومواطنيه يوميًا ضحايا لحوادث الطرق، في وقت ما زال فيه المواطن في كثير من المناطق لا يجد نقلًا عامًا داخليًا أو بين المدن والقرى والمحافظات والألوية، يوفر له وسيلة آمنة ومنتظمة وموثوقة للوصول إلى جامعته أو عمله أو منزله.

وعندما تعجز الدولة عن توفير البديل الآمن، فإنها تدفع المواطن بصورة غير مباشرة إلى الاعتماد على مركبته الخاصة، حتى في الرحلات التي يفترض أن تكون الحافلة العامة فيها هي الخيار الطبيعي.

وهنا لا تعود قضية النقل مجرد ملف خدمي؛ بل تصبح قضية أمن مروري وحماية للمواطن واقتصاد وطني وسلامة اجتماعية.

الحكومة مطالبة بحماية المواطنين مرورياً، خصوصًا في ظل عدم القدرة حتى الآن على توفير نقل عام آمن ومنتظم داخل المدن وخارجها. وهذه الحماية لا يمكن أن تستمر بالطرق التقليدية وحدها؛ لأننا نعالج النتائج بينما نترك أحد الأسباب الرئيسية قائمًا.

فإذا كان المواطن مضطرًا إلى استخدام سيارته يوميًا بسبب غياب البديل، وإذا كانت الطرق تمتلئ بالمركبات، وإذا كانت بعض السلوكيات العدوانية والخطرة تنتشر عليها، فإن معالجة المشكلة بالغرامات والمخالفات والحملات المرورية وحدها لن تكون كافية.

نحن بحاجة إلى تغيير منظومة كاملة.

صحيح أن لدى الحكومة استراتيجيات وخططًا معلنة للنقل، ومنها استراتيجية قطاع النقل 2024–2028، التي تتضمن توجهات لرفع استخدام النقل العام، وتطوير النقل الذكي، وتتبع الحافلات، وتقليل الاعتماد على المركبات الخاصة، وتطوير شبكة السكك الحديدية.

لكن السؤال الذي يهم المواطن ليس كم استراتيجية لدينا، بل:

متى سأجد حافلة آمنة تصل في موعدها، وتسير في مسار معلوم، وتعيدني إلى منزلي في وقت معلوم؟

المشكلة اليوم ليست في غياب الأفكار، وإنما في ضعف الذراع التنفيذية القادرة على تحويل الخطط إلى منظومة وطنية تعمل على الأرض.

لذلك أقترح تأسيس "شركة المملكة للنقل"، باعتبارها ذراعًا تنفيذية وطنية متخصصة في إدارة وتشغيل وتطوير منظومة النقل العام، بالتنسيق مع وزارة النقل وهيئة تنظيم النقل البري والجهات ذات العلاقة.

شركة لا تكون مجرد اسم جديد، ولا مؤسسة بيروقراطية إضافية، وإنما شركة تشغيل وإدارة ذكية تمتلك القدرة على بناء شبكة وطنية متكاملة للحافلات، وأنظمة تتبع ورقابة، ومواعيد معلنة، ومحطات منظمة، ودفع إلكتروني، ومؤشرات أداء، ومعايير واضحة للسائقين والمركبات، وخدمة تربط المدن بالمحافظات والألوية والقرى، وتتكامل مستقبلًا مع السكك الحديدية.

والأهم أن تكون هذه الشركة مسؤولة عن النتائج وقابلة للمساءلة عليها.

لدينا في العقبة تجربة عملية في تنظيم وتشغيل النقل تستحق الدراسة والتقييم والاستفادة منها على المستوى الوطني؛ تجربة أظهرت أن النقل عندما يُدار بعقلية تشغيلية حديثة، وباستخدام التتبع الرقمي والمراقبة والتنظيم والانضباط، يمكن أن يتحول من حافلات تعمل بصورة متفرقة إلى منظومة أكثر انتظامًا وقابلية للقياس والتطوير.

وهنا تكمن الفكرة الأساسية:

لماذا لا نأخذ ما نجح عمليًا، ونبني عليه بدل أن نبدأ في كل مرة من الصفر؟

لقد تعبنا من إدارة ملف النقل بعقلية الإجراءات المتفرقة، ومن تدوير المسؤوليات بين الجهات، ومن معالجة كل مشكلة بعد وقوعها.

فالطريق الذي يفتقد النقل العام المنظم لا ينتج فقط ازدحامًا؛ بل ينتج اعتمادًا أكبر على السيارات الخاصة، واستهلاكًا أعلى للوقود، وضغطًا أكبر على الطرق، وزيادة في فرص الحوادث، وتكاليف اقتصادية واجتماعية متراكمة.

وفي الوقت الذي ينشغل فيه الرأي العام بتفاصيل كثيرة، هناك طالب ينتظر وسيلة نقل إلى جامعته، وموظف يبحث كل صباح عن وسيلة للوصول إلى عمله، وأسرة تحتاج إلى وسيلة آمنة، وسائح يحتاج إلى نقل موثوق، ومستثمر ينظر إلى كفاءة البنية التحتية والخدمات قبل أن يقرر أين يضع أمواله.

النقل ليس حافلة فقط.

النقل اقتصاد، وسياحة، واستثمار، وتعليم، وصحة، وبيئة، وأمن مروري، وكرامة للمواطن.

وإذا أردنا أن نواجه جنون الطرق والقيادة العدوانية والحوادث المتزايدة، فلا يكفي أن نطالب المواطن بأن يكون أكثر التزامًا؛ علينا أيضًا أن نوفر له البديل الآمن والمنظم والممكن.

حافلة حديثة، آمنة، نظيفة، تصل في موعدها، تسير في مسار واضح، وتعمل ضمن منظومة يمكن للمواطن أن يثق بها.

يا حكومة...

أنشئوا شركة المملكة للنقل.

أعطوها التشريع والتمويل والصلاحيات، واربطوا استمرارها بمؤشرات أداء ونتائج قابلة للقياس والمساءلة.

استفيدوا من التجارب التي أثبتت نجاحها على الأرض، ومنها تجربة النقل في العقبة، وابنوا عليها منظومة وطنية لا تتغير بتغير الأشخاص والحكومات.

فالأردن لا يحتاج إلى مزيد من الخطط التي تبقى على الورق.

الأردن يحتاج إلى منظومة نقل تعمل.

وحين تعمل منظومة النقل، فإننا لا ننقل الناس فقط؛ بل نحميهم، ونخفف الضغط عن طرقنا، ونقلل اعتمادنا القسري على السيارات الخاصة، ونوفر بيئة أكثر أمانًا للاقتصاد والسياحة والاستثمار، والأهم من ذلك كله: نحمي أبناء الأردن من أن يبقى الطريق هو الثمن الذي يدفعونه كل يوم بسبب غياب البديل.

مدار الساعة ـ