أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المدير التنفيذي ليس منصباً.. بل مفتاح الإصلاح


المهندس مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن :: عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني

المدير التنفيذي ليس منصباً.. بل مفتاح الإصلاح

المهندس مؤيد الرشود الشديفات
المهندس مؤيد الرشود الشديفات
نائب رئيس لجنة بلدية منشية بني حسن :: عضو في المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية - مشروع الحكومة الشبابية - قطاع الإدارة المحلية - الجيل الثاني
مدار الساعة ـ

من اختيار الكفاءة إلى وضوح الصلاحيات... نحو إدارة بلدية أكثر قدرة على الإنجاز

مع التوجه نحو تطوير منظومة الإدارة المحلية في الأردن ، يبرز منصب المدير التنفيذي للبلدية باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لنجاح أي إصلاح مرتقب .

فالمطلوب ليس مجرد استحداث منصب إداري جديد أو ملء شاغر وظيفي ، و إنما بناء جهاز تنفيذي قادر على إدارة البلدية بكفاءة ، و تحمل المسؤولية ، و تحويل الخطط و القرارات إلى واقع عملي يلمسه المواطن .

فالمدير التنفيذي ، بحكم طبيعة موقعه ، يجب أن يكون رأس الجهاز الإداري و التنفيذي ، و مرجعاً واضحاً لدوائر البلدية ، و حلقة وصل عملية بين قرارات المجلس البلدي و متطلبات التنفيذ اليومي .

و لذلك يجب أن تتناسب مسؤوليته مع صلاحياته الفعلية ، حتى لا تصبح المسؤولية موزعة بين أكثر من جهة ، بينما تبقى المحاسبة مركزة على شخص واحد .

و هنا تبدأ فكرة الإصلاح الحقيقي :

تحديد من يقرر ، و من ينفذ ، و من يراقب ، و من يحاسب

_________________________

الهندسة المدنية و الخبرة ... أساس الاختيار

_________________________

و من هنا ، فإن اختيار المدير التنفيذي يجب أن ينطلق من طبيعة العمل البلدي و متطلباته الفعلية ؛ و لذلك يستحق أن يكون من أهم شروط شغل المنصب أن يكون المرشح حاصلاً على بكالوريوس في الهندسة المدنية حصراً ، و بخبرة عملية لا تقل عن عشر سنوات ، على أن تكون خبرة حقيقية و مرتبطة بإدارة المشاريع و الأعمال الهندسية و البنية التحتية و العطاءات والعقود و المقاولين و الاستشاريين و فرق العمل .

فالبلدية ليست مؤسسة إدارية مكتبية فقط ؛ فهي مؤسسة تتعامل يومياً مع الطرق ، و التنظيم ، و الأبنية ، و البنية التحتية ، و المشاريع ، و العطاءات ، والمرافق و الخدمات ، و المخططات ، و المقاولين و الاستشاريين ، إلى جانب الملفات المالية و الإدارية و القانونية .

و لا تكفي سنوات الخبرة وحدها ؛ بل ينبغي أن يمتلك المرشح دورات و تأهيلاً متخصصاً في العمل الهندسي و الإداري تشمل إدارة المشاريع ، و العقود و العطاءات ، و التخطيط ، و إدارة المخاطر، والجودة ، و السلامة و الصحة المهنية ، و الإدارة المالية ، و الموارد البشرية ، و القيادة و الحوكمة .

فالبلدية تحتاج إلى مهندس بعقلية إدارية ؛ يفهم القرار الفني و التنفيذي ، و يستطيع في الوقت نفسه قيادة المؤسسة ، و ضبط أداء كوادرها، ومتابعة مشاريعها، وتحمل مسؤولية نتائجها.

_________________________

تجديد الدماء وفتح باب المنافسة

_________________________

و من المهم أن تكون المنافسة مفتوحة أمام الكفاءات القادرة على القيام بهذه المسؤولية ، و ألا يتحول المنصب تلقائياً إلى امتداد للمسار الوظيفي السابق .

و من هنا يمكن أن تكون من شروط الاختيار المقترحة ألا يكون المرشح من المتقاعدين المدنيين أو العسكريين ، أو من العاملين في البلديات ، مع التأكيد أن هذا الطرح لا ينتقص من خبرات هذه الفئات أو عطائها ، و إنما يستهدف فتح المجال أمام خبرات هندسية وإدارية جديدة من مختلف القطاعات ، بما فيها المؤسسات الحكومية ، و الشركات الهندسية و الاستشارية ، و شركات المقاولات ، و المشاريع التنموية .

فالأساس يجب أن يكون الكفاءة و الخبرة المرتبطة بالمنصب ، لا الجهة التي عمل فيها المرشح سابقاً .

كما أن فتح المنافسة على مستوى أوسع يمكن أن يخلق قاعدة أكبر من الكفاءات ، و يجعل الوصول إلى المنصب قائماً على متطلبات واضحة بدلاً من أن يكون مجرد انتقال طبيعي في السلم الوظيفي .

_________________________

آلية اختيار مؤسسية وسريعة

_________________________

أما آلية التعيين ، فيمكن أن تبدأ بإعلان الشاغر وفق شروط واضحة ودقيقة ، و استقبال الطلبات و فرزها والتدقيق في مطابقتها من خلال هيئة الخدمة و الإدارة العامة ، بما ينسجم مع منظومة الاستقطاب و التعيين القائمة على الإعلان و الفرز و تقييم الكفايات و المقابلات و استكمال إجراءات التعيين .

و بعد التدقيق ، تُحصر القائمة بأفضل ستة مرشحين ممن تنطبق عليهم الشروط و الأكثر توافقاً مع متطلبات الوظيفة ، ثم تتم مقابلتهم من قبل اللجنة المختصة في أسرع وقت ، وصولاً إلى اختيار المرشح المناسب و تعيينه من المرجع صاحب الصلاحية وفق التشريعات النافذة .

و هكذا تصبح العملية واضحة و مختصرة :

شروط معلنة - فرز و تدقيق - ستة مرشحين - مقابلات مهنية – تعيين

و الأهم ألا تتحول عملية الاختيار إلى مسار طويل يفقد المنصب أهميته أو يؤخر الإصلاح المطلوب ، بل يتم استكمال التعيين قبل انتهاء مدة المجلس البلدي القادم ، حتى تبدأ المرحلة الجديدة بوجود جهاز تنفيذي مستقر و قادر على العمل .

فالمؤسسة لا تحتاج فقط إلى اختيار الشخص المناسب ، بل تحتاج أيضاً إلى الوصول إليه في الوقت المناسب .

_________________________

منصب إداري يحتاج إلى مؤشرات أداء

_________________________

وإذا كان الهدف هو الانتقال من الإدارة التقليدية إلى إدارة أكثر كفاءة ، فلا بد أن يرتبط منصب المدير التنفيذي أيضاً بمؤشرات أداء واضحة .

فالمدير التنفيذي لا ينبغي أن يقاس نجاحه بعدد الاجتماعات التي عقدها أو الكتب التي وقعها ، و إنما بقدرة الجهاز التنفيذي على إنجاز الأعمال ، و تحسين الخدمات ، و ضبط المشاريع ، و رفع كفاءة الإنفاق ، و تسريع الإجراءات ، و معالجة الملاحظات ، وتحسين مستوى الاستجابة للمواطنين .

وبذلك تصبح المحاسبة مرتبطة بالنتائج، لا بالانطباعات .

فالمعادلة التي نحتاجها بسيطة :

صلاحية واضحة ، و مسؤولية واضحة ، و مؤشرات أداء واضحة ، و محاسبة على النتائج

و هذا من شأنه أيضاً أن يحمي المدير التنفيذي نفسه ؛ لأن تقييمه يصبح قائماً على معايير معلنة ، وليس على اختلافات شخصية أو تقديرات غير محددة .

_________________________

قانون جديد يحتاج إلى أنظمة جديدة

_________________________

لكن اختيار المدير التنفيذي ، مهما كان جيداً ، لن يكون كافياً إذا بقيت الأنظمة و التعليمات المرتبطة بالإدارة المحلية تعمل بالعقلية ذاتها .

وهنا تكمن نقطة جوهرية يجب أن يلتفت إليها صانع القرار :

لا يمكن أن ينجح قانون الإدارة المحلية الجديد بمعزل عن تعديل باقي الأنظمة و التشريعات المرتبطة به .

فإذا كان القانون يهدف إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المجلس و الجهاز التنفيذي ، فلا بد أن تنسجم معه أنظمة الموظفين ، و المكافآت و الحوافز ، و اللجان، و الإدارة المالية ، و العطاءات و المشتريات وغيرها .

فلا يمكن أن نطلب من مؤسسة أن تعمل بطريقة جديدة ، بينما تبقى الأدوات التي تحكم عملها مصممة لمنظومة قديمة .

وإلا سنكون أمام قانون جديد يعمل داخل منظومة تشريعية قديمة ، فتستمر المشكلة نفسها بأشكال مختلفة .

_________________________

صلاحيات حقيقية... لا مسؤولية بلا أدوات

_________________________

و من أكثر الملفات التي تحتاج إلى مراجعة جادة لجان الموظفين و لجان المكافآت و الحوافز و غيرها من اللجان المرتبطة بالإدارة اليومية .

المطلوب ليس إلغاء الرقابة أو إضعاف اللجان ، و إنما منع تحولها إلى مراكز قرار موازية للجهاز التنفيذي .

فلا يعقل أن يكون المدير التنفيذي مسؤولاً عن الجهاز الإداري و التنفيذي ، ثم تكون قدرته في بعض الملفات مجرد صوت مقابل أصوات أخرى قد تعارض قراره أو تعطل توجهه ، بما يخلق قوة شد عكسية داخل الجهاز نفسه .

الرقابة مطلوبة ، و الحوكمة مطلوبة ، و التدقيق مطلوب ، لكن يجب أن تكون سلسلة القرار واضحة ، و أن يعرف كل طرف حدود اختصاصه .

فاللجان يجب أن تدعم القرار المؤسسي وتحمي المال العام و تضمن النزاهة و الشفافية ، لا أن تصبح بديلاً عن الإدارة التنفيذية .

والقاعدة الإدارية البسيطة هنا :

لا مساءلة حقيقية بلا صلاحية حقيقية .

إذا كان المدير التنفيذي سيحاسب على أداء الجهاز التنفيذي ، فيجب أن يمتلك الصلاحيات التي تمكنه من إدارته ، ضمن القانون و الرقابة و التدقيق .

_________________________

المجلس و الجهاز التنفيذي... تكامل لا تضارب

_________________________

إن نجاح النموذج المقترح لا يعني تقليص دور المجلس البلدي ، بل على العكس ؛ فالمجلس المنتخب يجب أن يبقى صاحب الدور السياسي و المحلي في رسم الأولويات و اتخاذ القرارات ضمن اختصاصاته و ممارسة الرقابة .

لكن في المقابل ، يجب أن يكون الجهاز التنفيذي قادراً على تحويل تلك القرارات إلى برامج وأعمال و مشاريع .

و هنا يجب أن تكون العلاقة قائمة على التكامل لا التداخل .

المجلس يضع السياسات و الأولويات و يمارس الرقابة ، و المدير التنفيذي يقود الجهاز الإداري و ينفذ ضمن الصلاحيات الممنوحة له ، و الوزارة تمارس دورها التنظيمي و الرقابي ، و الأجهزة الرقابية تقوم باختصاصاتها .

و عندما تكون هذه الأدوار واضحة ، يصبح الاختلاف في الرأي جزءاً طبيعياً من العمل المؤسسي ، و ليس سبباً لتعطيل القرار .

_________________________

منصب قوي ضمن منظومة متكاملة

_________________________

المطلوب في النهاية ليس مديراً تنفيذياً قوياً بلا رقابة ، كما أنه ليس مديراً مسؤولاً بلا صلاحيات .

المطلوب هو :

مدير تنفيذي كفؤ ، و صلاحيات واضحة ، و رقابة فاعلة ، و مسؤولية قابلة للمساءلة .

فالإصلاح الإداري لا يقوم على إطلاق يد شخص واحد ، كما لا يقوم على تقييد المسؤول حتى يصبح غير قادر على اتخاذ القرار .

المعادلة الصحيحة هي أن تكون هناك صلاحيات كافية لاتخاذ القرار ، و ضوابط كافية لمنع إساءة استخدامها ، و مؤشرات واضحة لقياس النتائج .

و عندما تتوازن هذه العناصر، يصبح بالإمكان محاسبة المسؤول على ما يقع ضمن اختصاصه فعلاً ، و في الوقت نفسه حماية المال العام والمؤسسة من القرارات غير المنضبطة .

_________________________

طوق نجاة للبلديات

_________________________

البلديات اليوم لا تحتاج إلى تغيير المسميات فقط ، بل إلى وضوح في المسؤولية ، و وضوح في الصلاحية ، و وضوح في سلسلة القرار .

و إذا اكتملت الحلقة من اختيار مدير تنفيذي مهندس مدني مؤهل ، بخبرة لا تقل عن عشر سنوات و تأهيل هندسي و إداري متخصص ، إلى آلية اختيار مؤسسية و شفافة و سريعة ، ثم إلى تعديل الأنظمة المرتبطة بالقانون و منح الجهاز التنفيذي صلاحيات فعلية ، فإن قانون الإدارة المحلية يمكن أن يتحول من نص تشريعي إلى إصلاح مؤسسي حقيقي وطوق نجاة للبلديات .

فالبلدية التي تعرف من يقرر ، و من ينفذ ، و من يراقب ، و من يحاسب ، تكون أقرب إلى الإنجاز من بلدية تتوزع فيها الصلاحيات و تتداخل فيها الأدوار .

و الإصلاح لا يصنعه القانون وحده ، و لا يصنعه المدير التنفيذي وحده .

الإصلاح يبدأ عندما تتطابق المسؤولية مع الصلاحية ، و تتكامل التشريعات ، و يصبح القرار واضحاً ، و يكون لكل مسؤول أدوات حقيقية للقيام بواجبه و محاسبته على نتائجه .

و عندها فقط يمكن أن ننتقل من إدارة البلدية إلى قيادة البلدية نحو مرحلة جديدة من الكفاءة و الإنجاز ؛ مرحلة يكون فيها المواطن هو المستفيد الأول من وضوح القرار ، و سرعة الإنجاز ، و حسن إدارة المال العام ، و استقرار العمل المؤسسي .

مدار الساعة ـ