لا يحتاج خطاب الملك إلى مزيد من الاحتفاء بقدر ما يتطلب أن يتحول إلى برنامج عمل للدوله فهو ليس خطابا عاديا بقدر ما كان خطابا استثنائيا رسم معالم الخارج وأظهر شخصية الملك بكل تفاصيلها الإنسانية والروحية داخله وخارجه ولغة جسده وإخلاصه وصدقه مع نفسه ومع من حوله؛ ومن هنا ارى انه لا بد من استثمار الخطاب في كافة اجهزة الدولة وان يستلهم منه برنامج عمل للدوله بمختلف جوانبها ومفاصلها.
اولاً: تطرق جلالته إلى الأمن القومي وربطه بالأمن المائي والمصالح الوطنية وهذا يقتضي ان تتحول ملفات الطاقة والمياه، والغذاء بطبيعة الحال، وكذا الاقتصاد والبنية التحتية إلى ملفات أمن قومي لا إلى ملفات وزارات منفردة.وهذا يعني بكل تأكيد أننا بحاجة إلى خطة وطنية للمياه باعتبارها قضية سيادية اضافة إلى حماية مصادرها وكذا تسريع مشاريع الطاقة والبحث في افضل فرص الاستثمار فيها وربط الأمن المائي بالأمن الغذائي والبحث عن افضل السبل لزيادة مصادر المياه والمحافظة على القائم منها وتطويره وتحديثه.ثانياً: فكرة (الانتباه) التي أشار اليها جلالته تعتبر الفكرة المركزية في الخطاب، والتي تقتضي ان يتحول الانتباه إلى احساس داخلي في كل اجهزة الدولة وفي ذهن كل مسؤول والانتباه مورد نادر، فحس الانتباه والملاحظة والبعد عن اللامبالاة هو الذي يبتعد بنا عن الظلم وهو يعني ضرورة التفكير الاستراتيجي للحكومة وليست الملفات اليومية فحسب وهي الملفات التي تصنع مستقبل الأردن وأحلامه وطموحاته وهذا يعني ان لا يصبح (الاهتمام) مجرد اجتماعات وتصريحات بل مؤشرات قابلة للقياسثالثاً: القضية المهمة ايضاً والتي تطرقت لها في مقالي السابق هي قضية (الظلم)؛ينبغي هنا أن يكون الظلم مبدأ داخليا للسياسة العامة وربما هذه بتقديري اعمق فكرة في الخطاب حينما قال جلالته (أما الظلم فيتطلبهما معا) اي الانتباه الفوري والمستداموهذا يعني داخلياً: ألا تكتفي الدولة بمنع الظلم القانوني فحسب بل ان تعمل على ازالة أسباب الشعور بالظلم وعدم العدالة وهذا يقتضي تفعيل المجسات الداخلية التي تراقب مواطن الظلم في كل ناحية؛ من إقصاء وتهميش وشخصنة لتنطلق إلى عمل مؤسسي ضمن مؤسسات الدولة تزيل الظلم لحظة معرفته وتستشعر أسبابه ضمن إطار عمل منهجي لا شخصي، ومؤسسي لا فردي وهي تقتضي تفعيل العدل بكل مناحيه ولا مجال للتفصيل هنا؛ولكن (أن تصبح العدالة معيارا لقياس الإدارة العامة وغيرها)رابعاً: لقد أشار الخطاب إلى تعزير الروابط من الخليج إلى المتوسط والى تعزيز دور الأردن كمركز للتجارة والتكنلوجيا؛وهذه بلا شك تحتاج إلى مشروع عملي متكامل؛ فكون الأردن مركزا إقليميا للخدمات والتكنلوجيا والاستثمار يجب أن يتحول هذا إلى مشروع تنفيذي متكامل ؛ فالعقبة ينبغي أن تكون محورا هاما وأساسيا للمنطقة، إضافة إلى أهمية الإسراع في الربط السككي وشبكة النقل كما لا بد من الاستفادة من المالية الاسلاميه وطرق التمويل والاستثمار فيها والصكوك الإسلامية وغيرها اضافة التكنلوجيا والذكاء الاصطناعيوالاهم هو وجود الإرادة الحقيقيه في استقطاب شركات الاستثمار وتسهيل مهمتها ومنع إعاقة عملها والشفافية في التعامل معها والضرب بيد من حديد على كل من يحاول استغلالها او الاستفادة منها لغير الوطن .وهنا لا بد - وما نستلهمه من روح الخطاب -من الاستثمار في الإنسان باعتباره معول الوطن واداته وهو خط الدفاع الأول عنه فالمستقبل والتغيير والمعرفة والتكنلوجيا تعني ان المشروع الحقيقي هو الإنسان والاستثمار فيه بدأ من كرامته وتوجيهه نحو فرص البناء ومن ثم استثمار طاقاته وإبداعاته وجعله مؤمنا بمشروع الدولة التي هو اداة بنائها وتطويرها وحمايتهاهذا كله يتطلب مصفوفة تنفيذ عملي لخطاب الملك كي تتحول إلى برنامج بناء وتطوير للدولهأضع هذه المقترحات امام اجهزة الدولة المختلفة ليكون الشعار ان ينتقل الخطاب من ان يكون رسالة للعالم فحسب ليصبح برنامج عمل للدولة في الداخلوالله الموفق