أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأمم المتحدة.. حارسة السلام أم رهينة موازين القوى؟


مؤيد المجالي

الأمم المتحدة.. حارسة السلام أم رهينة موازين القوى؟

مدار الساعة ـ

منذ أن خرج العالم من رماد الحرب العالمية الثانية، لم تكن الحاجة إلى السلام ترفاً سياسياً، بل كانت ضرورة وجودية. ملايين القتلى، مدن مدمرة، دول منهكة، وشعوب دفعت ثمناً باهظاً لصراعات القوى الكبرى؛ كل ذلك قاد إلى ولادة منظمة الأمم المتحدة عام 1945، حاملةً شعاراً بالغ الطموح: إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب، وحفظ السلم والأمن الدوليين.

لكن بعد أكثر من ثمانية عقود على تأسيسها، يحق للعالم أن يطرح السؤال الذي لم يعد من السهل الهروب منه:

هل تستطيع الأمم المتحدة فعلاً أن تحفظ السلم والأمن في العالم؟

أم أن المنظمة التي أُنشئت لمنع الحروب أصبحت في بعض الأزمات شاهداً عليها، ومراقباً لها، وأحياناً عاجزة عن وقفها؟

السؤال ليس موجهاً إلى موظفي الأمم المتحدة، ولا إلى قوات حفظ السلام التي تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، وإنما إلى النظام الدولي الذي أنشأ المنظمة وحدد لها أدواتها وحدودها.

الأمم المتحدة ليست حكومة العالم:

أول خطأ يقع فيه البعض هو تصور الأمم المتحدة باعتبارها حكومة عالمية تملك سلطة فوق الدول.

الأمر ليس كذلك.

ميثاق الأمم المتحدة منح مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، ومنحه صلاحيات واسعة تبدأ من تسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وتمتد إلى فرض العقوبات، بل وإلى الترخيص باستخدام القوة في ظروف محددة. كما أن الدول الأعضاء تعهدت بقبول وتنفيذ قرارات مجلس الأمن وفقاً للميثاق.

لكن هذه الصلاحيات لا تعني أن الأمم المتحدة تمتلك جيشاً عالمياً مستقلاً، أو أنها تستطيع فرض إرادتها على جميع الدول بصرف النظر عن موازين القوة.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالقانون الدولي شيء، والقدرة على إنفاذه شيء آخر.

قد يصدر القرار، ولكن تنفيذ القرار يحتاج إلى إرادة سياسية، وقد تتوافر الإرادة لدى غالبية دول العالم، ثم تصطدم بإرادة دولة كبرى.

وهنا نصل إلى قلب المسألة: مجلس الأمن.

خمس دول... ومفتاح القرار الدولي:

يتكون مجلس الأمن من خمسة عشر عضواً، بينهم خمس دول دائمة العضوية: الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وفرنسا، والمملكة المتحدة.

وللدول الخمس حق النقض «الفيتو».

وبموجب المادة 27 من الميثاق، تحتاج القرارات الموضوعية إلى تسعة أصوات مؤيدة، بما في ذلك أصوات الأعضاء الدائمين؛ وبالتالي فإن تصويتاً سلبياً من أي عضو دائم يمكن أن يمنع اعتماد القرار.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى في النظام الدولي.

الأمم المتحدة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، لكن مجلس الأمن لا يقوم على المساواة في القوة السياسية.

هناك دول تملك صوتاً واحداً، وهناك خمس دول تملك، فوق صوتها، قدرة تعطيل القرار الدولي.

وهذا ليس خللاً طارئاً في التطبيق؛ بل هو جزء من التصميم الأصلي للنظام الذي تأسس عام 1945.

كان واضعو الميثاق يعرفون أن القوى الكبرى لن تقبل نظاماً دولياً تستطيع فيه أغلبية الدول الصغيرة فرض قرارات عليها.

فكان الحل السياسي آنذاك هو منح القوى الكبرى امتيازاً استثنائياً: العضوية الدائمة وحق النقض.

لقد كان ذلك ثمناً لقبول القوى الكبرى بالنظام الدولي الجديد.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم:

هل ما كان مقبولاً عام 1945 ما زال صالحاً لعالم 2026؟

عندما يتعارض القانون مع موازين القوة:

المشكلة الأكثر عمقاً ليست في وجود الفيتو باعتباره نصاً قانونياً فحسب، وإنما في نتائجه السياسية.

عندما يكون أحد أطراف الأزمة أو أحد الداعمين لطرف فيها دولةً دائمة العضوية في مجلس الأمن، تصبح قدرة المجلس على اتخاذ قرار حاسم مرتبطة بإرادة تلك الدولة.

وهنا يتحول الأمن الجماعي من فكرة قانونية مجردة إلى معادلة سياسية:

هل تستطيع الأمم المتحدة أن تتحرك؟

الجواب في بعض الأزمات:

إذا اتفقت القوى الكبرى، نعم.

أما إذا اختلفت، فإن مجلس الأمن قد يدخل في حالة شلل سياسي.

وقد عبرت الجمعية العامة نفسها خلال مناقشات إصلاح مجلس الأمن عن القلق من حالة الجمود التي يواجهها المجلس في ظل النزاعات المستمرة، وطالبت بإصلاح تركيبة المجلس وتمثيله واستخدام الفيتو.

وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بقوة الأمم المتحدة فقط.

بل يتعلق بإرادة الدول التي تملك مفتاح مجلس الأمن.

إذن... هل الأمم المتحدة فاشلة؟

القول بذلك سيكون تبسيطاً غير دقيق.

فالأمم المتحدة لا تزال تؤدي أدواراً مهمة في الوساطة، ومنع النزاعات، والمساعدات الإنسانية، وحفظ السلام، ودعم التسويات السياسية.

وفي عام 2026 توجد 11 عملية حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة في مناطق مختلفة من العالم، من الشرق الأوسط إلى أفريقيا وآسيا وأوروبا.

وقوات حفظ السلام ليست جيشاً احتلالياً تابعاً للأمم المتحدة؛ بل تعمل وفق ولايات يحددها مجلس الأمن، وتختلف مهامها من بعثة إلى أخرى بحسب طبيعة النزاع والظروف السياسية والأمنية.

وهذا يعني أن المنظمة تستطيع أن تكون فعالة عندما تتوافر لها ثلاثة عناصر:

(إرادة سياسية دولية، وقرار واضح، وتعاون من أطراف النزاع والدول المؤثرة).

لكنها تصبح أكثر ضعفاً عندما تتصادم مصالح القوى الكبرى.

إذن المشكلة ليست أن الأمم المتحدة لا تفعل شيئاً.

المشكلة أن قدرتها ليست متناسبة دائماً مع حجم المسؤولية التي أُسندت إليها.

القانون الدولي موجود... ولكن لمن تكون القوة؟

هنا نصل إلى واحدة من أكثر الإشكاليات إثارة للجدل في النظام الدولي.

القانون الدولي يفترض وجود قواعد تحكم العلاقات بين الدول.

لكن تنفيذ القواعد يحتاج إلى مؤسسات.

والمؤسسات تحتاج إلى قوة.

والقوة في النظام الدولي ليست موزعة بالتساوي.

ومن هنا ينشأ التناقض:

نحن نريد نظاماً دولياً تحكمه القواعد، لكننا ما زلنا نعيش في عالم تتأثر فيه قدرة القواعد على التنفيذ بموازين القوة.

وهذه ليست مشكلة الأمم المتحدة وحدها؛ إنها مشكلة النظام الدولي بأكمله.

فالمنظمة لا تستطيع أن تكون أقوى من الدول التي أنشأتها، ولا تستطيع أن تتجاوز بسهولة مصالح القوى الكبرى التي تملك الوسائل العسكرية والاقتصادية والسياسية الأكبر.

هل العالم بحاجة إلى إصلاح الأمم المتحدة؟

حتى الأمم المتحدة نفسها أقرت بالحاجة إلى إصلاح مجلس الأمن.

فـ (ميثاق المستقبل) الذي اعتمدته الدول الأعضاء عام 2024 دعا إلى إصلاح مجلس الأمن ليصبح أكثر تمثيلاً وشمولاً وشفافية وكفاءة وفعالية وديمقراطية ومساءلة، واعتبر مسألة الفيتو عنصراً أساسياً في إصلاح المجلس، بما في ذلك بحث الحد من نطاق استخدامه.

وهذا يعني أن النقاش لم يعد مجرد فكرة يطرحها منتقدو المنظمة.

بل أصبح جزءاً من النقاش الرسمي داخل الأمم المتحدة نفسها.

لكن الإصلاح الحقيقي ليس سهلاً.

لأن السؤال التالي سيظهر فوراً:

من سيوافق على تقليص امتيازاته؟

وهنا تعود الدائرة إلى بدايتها.

الدول التي تستطيع تعديل قواعد النظام الدولي هي نفسها الدول التي تستفيد من النظام القائم.

هل نحتاج إلى أمم متحدة جديدة؟

ربما لا تكون المشكلة في وجود الأمم المتحدة، وإنما في الفلسفة التي تحكم بنيتها السياسية.

العالم تغير.

في عام 1945 كان عدد أعضاء الأمم المتحدة أقل بكثير مما هو عليه اليوم، وكانت خريطة العالم مختلفة، والاستعمار لا يزال قائماً، والقوة الدولية تتركز بصورة مختلفة تماماً.

أما اليوم، فقد تغيرت مراكز القوة، وظهرت قوى اقتصادية وعسكرية جديدة، وأصبحت دول ومناطق بأكملها تطالب بتمثيل أكبر في مؤسسات صنع القرار العالمي.

ومع ذلك، ما زال الهيكل الأساسي لمجلس الأمن يحمل آثار العالم الذي خرج من الحرب العالمية الثانية.

وهنا لا بد من طرح سؤال شجاع:

هل يستطيع نظام دولي ولد من توازنات عام 1945 أن يدير أزمات عالم 2026؟

الأمم المتحدة بين المثالية والواقعية:

المشكلة أن هناك عالمين داخل المنظمة نفسها.

عالم الميثاق، حيث المساواة في السيادة، واحترام القانون، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، ومنع استخدام القوة.

وعالم السياسة، حيث المصالح الوطنية، والتحالفات، والقوة العسكرية، والنفوذ الاقتصادي، وحسابات الأمن القومي.

وبين العالمين تقف الأمم المتحدة.

تحاول أن تجعل القانون أقوى من القوة، لكنها تحتاج إلى القوة السياسية للدول حتى تستطيع تنفيذ القانون.

وتحاول أن تمنع الحروب، لكنها لا تملك دائماً الوسائل المستقلة لمنعها.

وتدعو إلى المساواة بين الدول، بينما يقوم مجلس أمنها على امتياز استثنائي لخمس دول.

وهذه ليست مفارقة هامشية.

إنها جوهر الأزمة.

السؤال الذي يجب أن يواجهه العالم:

ربما لم يعد السؤال:

هل الأمم المتحدة قادرة على حفظ السلم والأمن؟

بل السؤال الأكثر دقة:

إلى أي مدى يمكن لمنظمة دولية أن تحفظ السلام إذا كانت أدواتها النهائية خاضعة لإرادة الدول الأقوى؟

إذا اتفقت القوى الكبرى، يمكن لمجلس الأمن أن يتحرك.

وإذا اختلفت، قد يتعطل.

وإذا لم يكن هناك توافق دولي، تستطيع الأمم المتحدة أن تفاوض، وتوثق، وتدعو، وتحذر، وتقدم المساعدات، وتنشر قوات حفظ السلام حيث يسمح القرار والظروف؛ لكنها لا تتحول تلقائياً إلى سلطة عالمية قادرة على فرض السلام بالقوة.

وهنا يجب أن نكون واقعيين.

الأمم المتحدة ليست عاجزة بالكامل، لكنها ليست صاحبة السيادة على العالم.

هي مؤسسة دولية تستمد قوتها من الدول الأعضاء، وتحديداً من قدرتها على بناء توافق دولي حول القضايا الكبرى.

وفي النهاية...

لقد أنشأ العالم الأمم المتحدة بعد حرب عالمية كي لا تتكرر الحرب.

لكن العالم لم ينجح في إلغاء القوة من السياسة الدولية.

لقد نقلها إلى داخل مؤسسة دولية، ومنح خمس دول موقعاً استثنائياً فيها، أملاً في أن يؤدي ذلك إلى استقرار النظام الدولي.

وقد نجح هذا النظام في جوانب كثيرة، لكنه اصطدم مراراً بالسؤال الأصعب:

ماذا يحدث عندما تختلف القوى الكبرى على معنى السلام نفسه؟

هنا تصبح الأمم المتحدة أمام اختبار وجودي:

هل تكون مؤسسة تعكس موازين القوى القائمة؟

أم تستطيع أن تتطور لتصبح مؤسسة تعبر بصورة أكبر عن إرادة المجتمع الدولي بأسره؟

إن مستقبل الأمم المتحدة لن يتحدد فقط في قاعاتها ومؤتمراتها، بل في استعداد الدول الكبرى نفسها لإعادة تعريف مفهوم القوة والعدالة والتمثيل داخل النظام الدولي.

فالعالم لا يحتاج إلى منظمة أكثر خطابة.

ولا يحتاج إلى بيانات أكثر.

ولا يحتاج إلى قرارات لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

العالم يحتاج إلى نظام دولي تكون فيه قوة القانون أكبر من قدرة الأقوياء على تعطيله.

وإلى أن يتحقق ذلك، ستبقى الأمم المتحدة أمام مفارقتها الكبرى:

منظمة أُنشئت لحفظ السلام في عالم لا يزال السلام فيه رهيناً بإرادة من يملك القوة.

مدار الساعة ـ