في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم يكتفِ جلالة الملك عبدالله الثاني بتوصيف أزمات المنطقة، بل طرح رؤية واضحة لدور الأردن الاقتصادي، عندما أكد أن المملكة تعزز الروابط "من الخليج إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط" من خلال دورها كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا.
في تقديري، تحمل هذه الرسالة معنى يتجاوز الموقع الجغرافي. الأردن يريد الانتقال من دولة تقع في قلب المنطقة إلى دولة تؤدي دورا اقتصاديا في قلبها.فالموقع الإستراتيجي لا يصبح ميزة اقتصادية إلا عندما يتحول إلى حركة تجارة واستثمار وصناعة وخدمات. والأردن يمتلك مقومات مهمة لذلك؛ موقع يربط الخليج بالعراق وبلاد الشام، ومنفذا بحريا عبر العقبة، وقربا من الأسواق العربية والأوروبية، إلى جانب قاعدة بشرية مؤهلة يمكن أن تكون رافعة للاقتصاد الرقمي والتكنولوجي.أن يصبح الأردن مركزا إقليميا يعني أن تمر عبره السلع، وتُصنع فيه المنتجات، وتُقدَّم منه الخدمات، وتُطوَّر فيه التكنولوجيا. ويعني أيضا استقطاب استثمارات تبحث عن بيئة مستقرة وموقع قريب من أسواق متعددة.وهنا يجب ألا ننظر إلى التجارة والصناعة والتكنولوجيا كقطاعات منفصلة؛ فالمستقبل يقوم على تكاملها. الصناعة تحتاج إلى لوجستيات وطاقة تنافسية، والتجارة تحتاج إلى التكنولوجيا، وسلاسل التوريد تحتاج إلى البيانات والذكاء الاصطناعي، والمستثمر يحتاج إلى بيئة آمنة وقابلة للتنبؤ.أما الإشارة الملكية إلى أن حرب إيران أظهرت سرعة تأثير عدم الاستقرار على التجارة والاستثمار وحياة الناس خارج حدود المنطقة، فتحمل رسالة اقتصادية بالغة الأهمية: أمن المنطقة أصبح جزءا من أمن الاقتصاد العالمي.أي اضطراب في ممرات التجارة والطاقة ينعكس على تكاليف الشحن والتأمين والطاقة والسلع، ويعيد تشكيل قرارات المستثمرين وسلاسل التوريد. وهنا تتحول ميزة الاستقرار الأردني إلى أصل اقتصادي يمكن البناء عليه.لكن اغتنام هذه الفرصة يتطلب الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ، وأهمها: تطوير العقبة، وربطها بالمناطق الصناعية والأسواق الإقليمية، وتسريع مشاريع النقل والسكك الحديدية، وخفض تكاليف الطاقة واللوجستيات، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وتعزيز البنية التحتية الرقمية، ورفع تنافسية بيئة الاستثمار.رسالة الملك الاقتصادية من الأمم المتحدة واضحة: الأردن لا يستطيع تغيير جغرافيته، لكنه يستطيع تغيير طريقة توظيفها.والتحدي أمامنا أن نحول الموقع إلى دور، والاستقرار إلى ميزة استثمارية، والعقبة إلى بوابة، والقدرات البشرية إلى صناعة وتكنولوجيا، لنصبح مركزا يربط الخليج بالمتوسط وأوروبا، لا مجرد نقطة تقع بينها.فالأردن لا ينبغي أن يكتفي بأن يكون ممرا للتجارة؛ بل يكون مكانا تُصنع فيه القيمة، وتُبنى فيه سلاسل التوريد، وتنطلق منه الاستثمارات والتكنولوجيا إلى المنطقة.رسالة الملك الاقتصادية من الأمم المتحدة
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ