أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الملك.. خطاب الحزم والوضوح


محمد راشد البرايسة
نائب سابق

الملك.. خطاب الحزم والوضوح

مدار الساعة ـ

لم يكن خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد استعراض للمواقف الأردنية، ولا تكراراً لما قِيل في خطابات سابقة؛ بل جاء محمّلاً برسالة سياسية واضحة وصريحة، تكمن في أنه وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية لا يُمكن اختزالها في إصدار البيانات أو تسجيل المواقف، "المستقبل لا تصنعه القرارات التي نتخذها فقط، بل أيضاً القضايا التي نختار ألّا نتجاهلها"، والأهم أن الخطاب أعاد طرح سؤال يتجاوز اللحظة السياسية الراهنة: "ماذا يبقى مِن القانون الدولي إذا أمكن تجاهله لعقود؟ وماذا يبقى مِن الثقة بالنظام الدولي إذا لم تكن القواعد واحدة على الجميع؟"

ولم يقف الخطاب عند حدود التحذير؛ فقد أكد أن الأردن، رغم موقعه في منطقة مثقلة بالأزمات، متمسك بالدبلوماسية والحوار، وبمساندة صمود الشعب الفلسطيني ودعم الأونروا، وبالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس. وفي المقابل، جاءت الرسالة واضحة بأن الانفتاح على الحوار لا يعني التهاون في حماية المصالح الوطنية أو اعتبار الدبلوماسية ضعفاً، حيث أن الأردن يؤمن بالدبلوماسية والسلام، لكنه في الوقت ذاته يضع أمن حدوده ومياهه ومصالحه الوطنية في مقدمة ثوابته. وهذا لا يعني الانسحاب من لغة الحوار، بل يعني أن الحوار والدبلوماسية لا يلغيَان حق الدولة في حماية أمنها وسيادتها ومصالح شعبها.

ومن بين مختلف القضايا التي تناولها الخطاب، برزت رسالة شديدة الوضوح عندما انتقل الحديث إلى سوريا والحدود الشمالية للأردن، حيث حذّر جلالته مِن أن الأطماع التوسعية الإسرائيلية باتت تُمثل تهديداً إقليمياً، مشيراً إلى التوغلات المتكررة في الأراضي السورية، والتوسع الجغرافي، وفرض وقائع جديدة على الأرض، بما في ذلك ما يمسّ مصادر مائية حيوية، ولم يكتفِ جلالته بالتحذير، بل وضع هذه التطورات أمام المجتمع الدولي باعتبارها مسألة تتجاوز حدود سوريا، وتمس أمن المنطقة واستقرارها، وجاءت الرسالة حاسمة لا تحتمل التأويل: "أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي".. هذه العبارة تختصر موقفاً أردنياً واضحاً؛ فالحدود الشمالية ليست ملفاً يُمكن التعامل معه بمعزلٍ عن الأمن الوطني، كما أن المياه ليست مجرد مورد اقتصادي، وإنما جزء مِن منظومة الأمن القومي الأردني. مؤكداً جلالته أن الأردن لن يشيح بنظره، وأنه سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه.

وتزداد أهمية هذه الرسالة مع إشارة جلالة الملك تحديداً إلى جنوب سوريا، حين تساءل: إذا استمر النهج الإسرائيلي في المنطقة، فهل سيبقى المجتمع الدولي متفرجاً ويسمح باستمرار هذا المسار؟.

مجمل القول: جاء خطاب جلالة، حاسماً في وضع أزمات المنطقة في إطار واحد: فلسطين، وسوريا، والأمن الإقليمي، والمياه، والقانون الدولي. وفي هذا السياق، لم يتحدث الأردن من موقع المتفرج على ما يجري حوله، وإنما من موقع الدولة التي تدرك أن الأزمات عندما تتراكم وتتجاوز حدودها قد تصل آثارها إلى أمنها الوطني مباشرة.

ولعل فصل الخطاب: أن الأردن قال بوضوح ما ينبغي أن يُقال: السلام خيار، والدبلوماسية نهج، لكن أمن الأردن وحدوده ومياهه ومصالح شعبه ليست موضع مساومة.. ومِن على منبر الأمم المتحدة، كانت الرسالة الملكية واضحة: "لا نبحث عن التصعيد، لكننا لا نتجاهل التهديد.. ولا نقبل أن تتحول الوقائع المفروضة على الأرض إلى أمرٍ واقع على حساب أمن الأردن ومصالحه".

مدار الساعة ـ