حين يصمت العالم طويلاً أمام المأساة، يصبح الصمت جزءاً من المشكلة… وحين يفقد القانون الدولي قدرته على حماية الإنسان، تصبح الثقة أول الضحايا…
في الثاني والعشرين من أيلول 2026، وقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، حاملاً صوت الأردن وموقفه وثوابته إلى منصة دولية تزدحم بالأزمات والأسئلة الكبرى. وقد جاء الخطاب واضحاً وعميقاً، يجمع بين قوة الموقف ونبل الرسالة، ويضع الإنسان والقانون والسلام في قلب المشهد.وكان اختيار جلالته لمفهوم «الانتباه» مدخلاً بالغ الدلالة؛ فالملك لم يتحدث فقط عن أزمات العالم، بل سأل بصورة غير مباشرة: ماذا يحدث عندما نعتاد على المأساة، وننتقل عنها بمجرد أن تغادر عناوين الأخبار؟ وقد حوّل «الانتباه» من مفهوم إنساني إلى مسؤولية سياسية وأخلاقية، مؤكداً أن ما يتجاهله العالم اليوم قد يرسم ملامح مستقبله غداً.وفي القضية الفلسطينية، جاء الصوت الأردني قوياً وواضحاً. فقد وضع جلالة الملك أمام المجتمع الدولي مسؤولية إنهاء الصراع، ورفض أن تتحول الانتهاكات والوقائع المفروضة على الأرض إلى أمر مألوف، مؤكداً استمرار الأردن في دعم صمود الشعب الفلسطيني والأونروا، والتمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.وفي الوقت ذاته، لم يغفل جلالته أمن الأردن ومصالحه الوطنية، مؤكداً أن أمن الحدود والمياه خطوط لا يمكن تجاوزها، وأن المملكة ستواصل حماية أمنها ومصالح شعبها. وهنا ظهر الأردن كما هو دائماً في خطاب قائده: دولة سلام وحوار، لكنها دولة تعرف ثوابتها وتحمي مصالحها.والأجمل في الخطاب أنه لم يكتفِ بتشخيص أزمات المنطقة، بل قدم صورة الأردن الذي يعمل وسط العاصفة؛ يحمي أمنه، ويدعم السلام، ويحارب الإرهاب وتهريب المخدرات، ويبني اقتصاده، ويعزز دوره في التجارة والتكنولوجيا، ويتمسك بقيم التعايش وحماية المسيحية والدفاع عن الصورة الحقيقية للإسلام.لقد كان خطاب جلالة الملك خطاب دولة واثقة من نفسها، معتزة بثوابتها، منفتحة على الحوار، ومتمسكة بالدبلوماسية دون أن تسمح لأحد بأن يفسرها ضعفاً.وكانت رسالته الأعمق أن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات بقدر ما يحتاج إلى الثقة بالقانون الدولي، والالتزام بالاتفاقيات، وتحويل المبادئ إلى أفعال؛ لأن السلام لا تصنعه القوة وحدها، وإنما تصنعه العدالة والتعاون والمؤسسات ذات الشرعية.وهكذا خرج صوت الأردن من قاعة الأمم المتحدة قوياً، هادئاً، واثقاً؛ صوت قائد يحمل همّ وطنه، ويدافع عن قضايا أمته، ويتحدث بلغة إنسانية تتجاوز الحدود.حين يتحدث الأردن بثبات: خطاب ملكي استثنائي أمام العالم
مدار الساعة ـ