أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

السقوط إلى الأعلى: حين يكون الاعتذار قمة الحكمة


أ.د. تحسين منصور
قسم الصحافة والإعلام والاتصال الرقمي – الجامعة الأردنية

السقوط إلى الأعلى: حين يكون الاعتذار قمة الحكمة

أ.د. تحسين منصور
أ.د. تحسين منصور
قسم الصحافة والإعلام والاتصال الرقمي – الجامعة الأردنية
مدار الساعة ـ

في عالم يسعى فيه الكثيرون إلى تقلّد المناصب، يُنظر إلى الاعتذار عن منصب، في بعض الأحيان، باعتباره تراجعًا أو فشلًا. ومع ذلك، قد يحين الوقت لنتوقف قليلًا أمام رؤية مختلفة: أحيانًا يكون الاعتذار قمة الحكمة، وأحيانًا يكون ما يظنه البعض سقوطًا هو الطريق نحو الأفضل.

لا يُقصد بهذه الفكرة التخلي عن المسؤولية أو الهروب من العمل، بل دعوة إلى التفكير في معنى المنصب، ومعنى النجاح، ومعنى المسار المهني.

نشأنا في ثقافة تعتبر كل منصب جديد خطوة إلى الأمام، وترسخت لدينا فكرة أن الصعود المهني يعني دائمًا صعودًا حقيقيًا. لكن المسيرة المهنية ليست بهذه البساطة. فقيمة المنصب لا تكمن في مسماه وحده، وإنما في مدى انسجامه مع خبرة الشخص ومساره، وفي مقدار الإضافة التي يستطيع أن يقدمها من خلاله.

بعد سنوات طويلة من العمل الأكاديمي والإداري، قد يطرح الإنسان على نفسه سؤالًا بسيطًا في ظاهره، لكنه يتطلب قدرًا من الصراحة مع الذات: هل كل منصب جديد يمثل بالضرورة خطوة إلى الأمام؟

هنا تتغير الزاوية التي ننظر بها إلى الأمور. فمن خاض تجربة المسؤولية الإدارية والقيادة، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يتوافق مع خبرته ومساره، وما لا يتوافق.

ليس كل انتقال إلى منصب جديد صعودًا، والاعتذار عن منصب ليس بالضرورة تراجعًا. قد يصل الإنسان إلى مواقع قيادية، ثم يكتشف أن القيمة التي يستطيع أن يقدمها في المرحلة التالية لا ترتبط بالضرورة بتولي منصب إداري جديد، وإنما باستثمار خبرته في التدريس، أو البحث العلمي، أو الإشراف، أو نقل المعرفة، أو المشاركة الفكرية.

فالعطاء ليس حكرًا على الكراسي الإدارية.

وقد يجد البعض صعوبة في فهم قرار الاعتذار عن منصب؛ لأنهم يرونه من زاوية واحدة: هناك منصب جديد يمثل فرصة للصعود، فلماذا يُرفض؟ لكن من يتخذ القرار قد يرى الصورة بصورة مختلفة. يسأل نفسه: ماذا يضيف لي هذا المنصب؟ وهل يتناسب مع تجربتي؟ وهل هو الدور الذي أريد أن أضع فيه جهدي وخبرتي؟

هذه الأسئلة لا تعكس رفضًا للمسؤولية، وإنما تعبر عن وعي بالمسار المهني وأهمية الاختيار.

في بدايات الحياة المهنية، يكون التركيز غالبًا على كيفية التقدم والوصول إلى مناصب أكبر. ومع مرور السنوات، قد يتحول السؤال إلى: ما الدور الذي يمكن أن أقدم فيه أفضل ما لدي؟ والفرق بين السؤالين ليس اختلافًا في الطموح، بل في فهم الطموح ذاته.

فقد يكون الطموح في مرحلة ما هو الوصول إلى منصب أعلى، بينما يصبح في مرحلة أخرى هو توظيف الخبرة بصورة أكثر فائدة، واختيار الدور الذي ينسجم مع ما يملكه الإنسان من معرفة وتجربة، ويمنحه شعورًا حقيقيًا بالقيمة والأثر.

لذلك تتغير دلالة كلمة «الصعود». ليس كل ارتقاء في السلم الوظيفي صعودًا حقيقيًا، كما أن الابتعاد عن منصب ليس بالضرورة تراجعًا. فقد يكون الابتعاد عن موقع إداري معين فرصة أوسع للتدريس، أو البحث، أو القراءة والكتابة، أو توجيه الطلبة، أو استثمار الخبرة في مجالات أخرى بعيدًا عن ضغوط الإدارة اليومية.

عندها يدرك الإنسان أن ما بدا للآخرين ابتعادًا عن العطاء، لم يكن كذلك، وإنما كان اختيارًا لنوع آخر منه.

وهكذا يصبح الاعتذار قرارًا ناضجًا، لا هزيمة. فالقيمة الحقيقية للمسيرة المهنية لا تكمن فقط في عدد المناصب التي شغلها الإنسان، وإنما في المعرفة التي راكمها، والخبرة التي نقلها، والأثر الذي تركه في الآخرين.

لذلك، فإن كلمة «لا» ليست دائمًا رفضًا للعطاء، كما أن كلمة «نعم» ليست دائمًا علامة على الطموح. أحيانًا تكون «لا» اختيارًا لنوع آخر من العطاء.

وقد يكون التوقف عن الصعود في السلم الوظيفي بداية لنوع آخر من الارتقاء؛ ارتقاء نحو مزيد من الحرية، ومزيد من الوقت، ومزيد من التركيز، ومزيد من المعنى.

في النهاية، قد يرى البعض أن رفض منصب يعني «السقوط»، بينما قد يرى صاحبه الأمر بصورة مختلفة تمامًا. فربما لا يكون ذلك سقوطًا، بل انتقالًا من موقع إلى آخر، ومن مفهوم للصعود إلى مفهوم أكثر اتساقًا مع المسيرة والخبرة.

هذا هو معنى «السقوط إلى الأعلى». فالمناصب تتغير، والمسميات تتبدل، لكن الخبرة المكتسبة، والمعرفة التي يتركها الإنسان، والأثر الذي يحدثه في الآخرين، هي ما يمنح المسيرة معناها الحقيقي.

لذلك، عندما يحين وقت الاختيار، ربما لا يكون السؤال الأهم: أي منصب أعلى؟ وإنما: أي دور يتناغم أكثر مع مسيرتي، ويمكّنني من تقديم أفضل ما لدي؟

وفي بعض الأوقات، قد يكون الاعتذار عن قبول منصب هو القرار الأكثر حكمة.

ملاحظة

هذا المقال ليس دعوة إلى رفض المناصب، ولا حكمًا على من يختار العمل الإداري. فهناك من يجد في المنصب رسالة، ويؤدي من خلاله واجبًا، ويحقق أثرًا حقيقيًا، ويجد فيه مجالًا للعطاء.

وفي المقابل، هناك من يختار في مرحلة معينة إعادة ترتيب أولوياته المهنية، أو تخفيف مسؤولياته الإدارية، أو التوجه إلى جوانب أخرى من العمل الأكاديمي والفكري.

فالقرار يرتبط بالإنسان، وتجربته، ومساره، وأولوياته، وما يراه أكثر اتساقًا مع قدرته على العطاء.

فالحكمة ليست دائمًا في الوصول إلى الأعلى، بل في معرفة ما يعنيه «الأعلى» بالنسبة إلى كل إنسان.

مدار الساعة ـ