أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
أرجوكم لا تصفقوا للملك.. خذوا كلامه

أرجوكم لا تصفقوا للملك.. خذوا كلامه على محمل الجد


ابراهيم قبيلات
عضو مجلس نقابة الصحفيين الاردنيين

أرجوكم لا تصفقوا للملك.. خذوا كلامه على محمل الجد

ابراهيم قبيلات
ابراهيم قبيلات
عضو مجلس نقابة الصحفيين الاردنيين
مدار الساعة ـ

أسهل ما يمكن فعله بخطاب الملك عبدالله الثاني أمام الأمم المتحدة أن نصفق له، لدينا خبرة طويلة في التصفيق ولدينا أيضا من المفردات ما يكفي لوصف الخطاب بالتاريخي والمفصلي والاستثنائي، ثم نطوي الصحيفة في اليوم التالي ونعود إلى حياتنا كأن شيئا لم يكن.

الأصعب أن نأخذ كلام الملك على محمل الجد، في نيويورك قال الملك جملة تستحق أن تعود معنا إلى عمان : "فحين لا تعكس الكلمات فداحة الأفعال، يصبح غير المقبول مألوفا". وكان تحدث عن فلسطين سمّى الأشياء بأسمائها: هدم البيوت ليس "تنفيذا للقانون" بل ترحيل قسري، والاستيلاء على الأرض ليس "تسجيلا للأراضي" بل ضم فعلي، والحواجز الخانقة ليست بنية أمنية بل منظومة قمعية.

حسنا يا سيدي، فلنأخذ هذه القاعدة ونعود بها إلى البلد. فهنا أيضا لدينا موهبة عجيبة في منح الأشياء أسماء ألطف من وجعها وقسوتها، خذ مثلا؛ الفقير يواجه تحديات معيشية، والعاطل عن العمل ضحية اختلالات سوق العمل، وارتفاع الأسعار "تصحيح"، أما الراتب الذي يلفظ أنفاسه قبل منتصف الشهر فليس المشكلة، المشكلة على الأغلب في "النمط الاستهلاكي" لصاحبه.

وبقليل من البلاغة الرسمية، يستطيع موظف أن يعود إلى بيته عاجزا عن دفع فاتورة الكهرباء، لكنه ينام مطمئنا بعدما أخبرته نشرة الأخبار أنه ليس فقيرا، بل شريك في مسيرة الإصلاح.

هذا يا رعاكم الله ما يحدث في عمان الرسمية، وهنا تحديا لا تعود السخرية مضحكة؛ فالملك نفسه أنزل السياسة في خطابه من الطاولات الكبيرة إلى حياة البشر، وتحدث عن التفاوت الاقتصادي وانعدام الأمن الغذائي، وقال إن القوة العسكرية لا تطعم الجياع ولا تعيد المهجرين ولا تبني السلام.

السياسة في آخر النهار ليست مؤتمرا صحفيا، إنها أب يحسب ما بقي من راتبه بعد تسديد الفواتير واحتياجات الأسرة، وهي أيضا أم تعيد ترتيب حاجات البيت، وهي شاب يحمل شهادته من باب إلى باب ثم يعود بها مساء إلى الغرفة ذاتها، ولا حول له ولا قوة.

لهذا، خذوا كلام الملك على محمل الجد، إذا كانت تسمية الأشياء بغير أسمائها تخفي حقيقة ما يجري في فلسطين، فإن اللغة المنمقة لا تجعل وجع الأردني أقل حقيقة، قولوا للبطالة بطالة، وللفقر فقرا، وللفشل فشلا، وللخطأ خطأ، وللفساد فسادا؛ فالناس لا يحتاجون إلى قاموس جديد يشرح لهم لماذا تضيق حياتهم، بل إلى سياسات تجعلها أقل ضيقا.

والأهم أن الملك بنى خطابه كله تقريبا على خطر الاعتياد؛ ما نهمله اليوم يصنع غدنا، والمعاناة التي يطول تجاهلها قد تتحول مع الوقت إلى شيء مألوف، وفي خاتمته حذر من أن المستقبل يتشكل أيضا بما نختار تجاهله.

وهنا تحديدا أخشى على بلدي من رسميين أتقنوا إلباس أوجاع الناس ياقات وردية، حتى صار الواقع في تقاريرهم ألطف كثيرا منه في بيوت الأردنيين، فالناس هنا عرفوا الشدة وصبروا عليها طويلا، لكن الخطر أن نعتاد وجعهم، وأن يصبح الشاب الذي ينتظر عملا منذ سنوات رقما لا أكثر في طوابير البطالة، والأب الذي لا يكفي راتبه خبرا اقتصاديا والأم التي تعيد بعض حاجاتها عن صندوق الدفع "مؤشرا" يتحسن أو يتراجع على الورق.

نعم يا سادة. طلب الملك من العالم ألا يعتاد وجع الفلسطينيين، وليتنا نسمع الجملة هنا أيضا: لا تعتادوا وجع الأردنيين ولا تضعوا له اسما أجمل كي يصبح أخف على مسامعكم؛ فالأردني الذي لا يكفيه راتبه لا يحتاج إلى مصطلح اقتصادي يواسيه، والشاب الذي ينتظر عملا لا يعنيه أين وضعتموه في جداولكم. فالوجع لا يؤلمه اسمه يؤلمه أن يطول ثم يكتشف صاحبه أن الجميع اعتادوه.

مدار الساعة ـ