خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لم يكن مجرد خطاب دبلوماسي آخر يضاف إلى أرشيف الخطابات الملكية، بل كان إعلاناً سياسياً واضحاً عن حدود الحركة الأردنية في إقليم تتساقط فيه الحدود السياسية أمام مشاريع القوة والنفوذ.
فالمنطقة لم تعد أمام أزمة واحدة، ولا أمام حرب يمكن احتواؤها ببيان أو هدنة مؤقتة. نحن أمام إعادة تشكيل مفتوحة للشرق الأوسط، تتداخل فيها حسابات الأمن الإقليمي مع مشاريع التوسع، وتتنازعها قوتان رئيسيتان في المشهد: مشروع إسرائيلي يتوسع في فلسطين ويمد ظلاله إلى جنوب سوريا، ونفوذ إيراني تمدد عبر ساحات عربية متعددة وأصبح جزءاً من معادلة الصراع الإقليمي.وفي قلب هذه الجغرافيا يقف الأردن الدولة في هذه المعادلة، وليس ساحة مفتوحة لمن يريد اختبار قدرته على فرض الوقائع. الأردن دولة لها حدود، ومصالح، ومياه، وسيادة، وأمن قومي، ولها أيضاً رؤية سياسية واضحة تقوم على أن الاستقرار لا يُبنى على أنقاض الدول، ولا على حساب حقوق الشعوب.ومن هنا جاءت الرسالة الملكية الأكثر وضوحاً:«أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي».هذه ليست عبارة بروتوكولية.هذه رسالة دولة.ورسالة الدولة الأردنية هنا أن الدبلوماسية لا تعني الغفلة، وأن الانفتاح لا يعني التنازل، وأن الحوار لا يعني قبول الأمر الواقع.الأردن لا يختار بين مشروعين.. بل يرفض أن يكون جزءاً منهمامن الخطأ قراءة السياسة الأردنية باعتبارها بحثاً عن محور إقليمي تنضم إليه.الأردن، في جوهر سياسته الخارجية، يحاول حماية مساحة الدولة من منطق المحاور.فكما أن الأردن لا يقبل مشروعاً إسرائيلياً يقوم على فرض وقائع جديدة في فلسطين أو التوسع في الأراضي المحتلة أو الاقتراب من أمنه المائي وحدوده الشمالية، فإنه لا يقبل في المقابل أن تتحول المنطقة العربية إلى امتداد لمشاريع نفوذ إقليمية أخرى، أو أن تصبح عواصم عربية ساحات لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.المعادلة الأردنية أبسط مما يحاول البعض تعقيدها: لا للتوسع، ولا للوصاية على قرار الدولة، ولا لتحويل الأردن إلى ساحة صراع.ولهذا فإن قراءة الموقف الأردني من إسرائيل وإيران يجب ألا تكون من زاوية الاصطفاف مع طرف ضد آخر، بل من زاوية واحدة: أمن الدولة وسيادتها ومصالحها.الخطاب الملكي وضع التوسع الإسرائيلي في سياق يتجاوز القضية الفلسطينية غزة والضفه ليست وحدها.والقدس ليست وحدها.هناك جنوب سوريا، وهناك الحدود الشمالية، وهناك المياه.وهنا تتغير طبيعة المسألة بالنسبة للأردن.فأي تحول جغرافي أو أمني دائم على الجانب الآخر من الحدود الشمالية لا يمكن أن يُقرأ في عمان باعتباره شأناً بعيداً.والأخطر هو أن تصبح الوقائع المفروضة بالقوة أمراً اعتيادياً.فالسياسة التي تبدأ باختبار الحدود قد تنتهي بإعادة تعريفها.والسياسة التي تبدأ بالسيطرة على الأرض قد تصل إلى السيطرة على الموارد.والسياسة التي تتجاهل القانون الدولي اليوم قد تجد من يشجعها على تجاوزه غداً.لهذا قال الملك بوضوح إن الأردن لن يشيح بنظره.والرسالة هنا ليست دعوة إلى الحرب، بل تحذير من أن الصمت أمام تهديد الأمن الوطني ليس خياراً أردنياً.وإيران.. لا يمكن تجاهل الوجه الآخر للمشهدلكن الموضوعية تقتضي ألا نرى نصف الصورة فقط.فالتمدد الإيراني في الإقليم، عبر ساحات متعددة، أسهم خلال السنوات الماضية في تعقيد البيئة الأمنية العربية، وأدخل المنطقة في دوائر متشابكة من الصراع والردع والانتقام.وحين امتدت المواجهة الإيرانية ـ الإسرائيلية إلى دول وممرات ومصالح عربية، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً:هل تستطيع الدول العربية أن تبقى خارج دائرة الصراع بينما تتحول أراضيها ومجالاتها الجوية والبحرية إلى جزء من الحسابات العسكرية للآخرين؟الموقف الأردني هنا واضح في مبدأه: سيادة الدول العربية وأمنها ليسا ورقة تفاوض في صراع إقليمي.لا يمكن قبول أن تكون الدول العربية ساحات مواجهة بين إيران وإسرائيل، كما لا يمكن قبول أن تتحول عواصم عربية إلى أدوات في مشاريع نفوذ تتجاوز سيادة الدول.ومن هنا، فإن رفض الأردن للتوسع الإسرائيلي لا يعني قبول التمدد الإيراني، كما أن رفضه للتمدد الإيراني لا يعني غض الطرف عن السياسات الإسرائيلية.الميزان الأردني هو الدولة.الدبلوماسية الأردنية ليست ضعفاًربما كانت هذه واحدة من أهم الرسائل التي أراد الملك تثبيتها أمام العالم.الأردن بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه بلد مستعد للحوار.بلد يفتح قنواته مع الجميع.بلد يتمسك بالدبلوماسية. لكن الدبلوماسية الأردنية ليست تفويضاً مفتوحاً للآخرين.حين قال الملك إن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي إساءة تقديره على أنه ضعف، كان يضع فاصلاً بين المرونة الدبلوماسية والتراخي الاستراتيجي.وهذه نقطة شديدة الأهمية في قراءة السياسة الأردنية.فالدولة التي تستطيع التحدث مع الجميع لا تعني أنها تقبل كل شيء من الجميع.والدولة التي ترفض الحرب لا تعني أنها ترفض الدفاع عن مصالحها.والدولة التي تؤمن بالحلول السياسية لا تعني أنها تتنازل عن أمنها.المياه.. الخط الأحمر الذي لا يحتمل التأويلفي المنطقة التي أصبحت فيها المياه واحدة من أهم أدوات الصراع في المستقبل، كان لافتاً أن يربط الملك بين الحدود الشمالية والأمن المائي.الأردن من أكثر دول العالم تعرضاً لضغوط شح المياه، ولذلك فإن أي تغيير في البيئة الجغرافية أو الأمنية المحيطة بمصادر المياه لا يمكن أن يكون ملفاً هامشيا إنه ملف سيادي.وإذا كانت الحروب التقليدية تُقاس بالدبابات والطائرات، فإن حروب المستقبل قد تُقاس بالموارد، وفي مقدمتها المياه والطاقة والغذاء.ومن هنا، فإن الرسالة الملكية حول الأمن المائي يجب أن تُقرأ على مستوى استراتيجي طويل المدى.المياه بالنسبة للأردن ليست تفصيلاً في الأمن الوطني؛ إنها جزء من الأمن الوطني نفسه.الأردن لا يريد الحرب.. لكنه لا ينتظرها مكتوف اليدينهذه هي المعادلة التي تختصر الموقف كله.الأردن لا يبحث عن مواجهة.ولا يريد أن يكون طرفاً في حرب إقليمية.لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يتعامل مع التحولات حوله وكأنها لا تعنيه.ولهذا يمارس الأردن ما يمكن تسميته دبلوماسية الردع السياسي:يتحدث، يحاور، ينسق، يبني الشراكات، ويعمل على منع التصعيد؛ لكنه في الوقت ذاته يعلن خطوطه التي لا يمكن تجاوزها.وهذا هو الفارق بين دولة تدير أزمتها ودولة تسمح للأزمة بأن تديرها.الملك يضع الأردن أمام معادلة جديدةالخطاب الملكي يمكن قراءته باعتباره انتقالاً من مجرد التحذير من تداعيات أزمات المنطقة إلى تحديد واضح للمصالح الأردنية التي لا تقبل المساومة.فلسطين ليست ملفاً خارجياً فقط.القدس ليست قضية رمزية فقط.سوريا ليست جبهة بعيدة.المياه ليست مورداً اقتصادياً فقط.وأمن الحدود ليس شأناً عسكرياً فقط.كل هذه الملفات أصبحت مترابطة في الحساب الاستراتيجي الأردني.ولهذا فإن السياسة الأردنية أمام الاختبار الأصعب منذ سنوات: كيف تحافظ على شبكة علاقاتها الدولية والعربية، وكيف تبقى لاعباً دبلوماسياً قادراً على الحوار، وفي الوقت ذاته تمنع الآخرين من نقل صراعاتهم إلى المجال الأردني؟«لا للتوسع».. و«لا للتمدد».. ونعم للدولةفي النهاية، ربما لا يحتاج الموقف الأردني إلى كثير من التأويل.لا للتوسع الإسرائيلي على حساب الحقوق الفلسطينية والسيادة العربية.نعم للدولة، نعم للسيادة، نعم للقانون الدولي، نعم للدبلوماسية، ونعم للسلام العادل.هذه هي المعادلة التي يمكن استخلاصها من الخطاب الملكي.فالملك لا يطرح الأردن كقوة تسعى إلى فرض إرادتها على الآخرين، وإنما كدولة تريد حماية إرادتها من أن تُفرض عليها إرادات الآخرين.وهنا تحديداً تكمن قوة الرسالة.ففي شرق أوسط يعاد تشكيله بالنار، يحاول الأردن أن يحافظ على مساره السياسي دون أن يفقد قدرته على حماية حدوده.وفي منطقة تتصارع فيها مشاريع النفوذ، يتمسك الأردن بمشروع مختلف: مشروع الدولة التي لا تريد أن تبتلع أحداً، ولا تسمح لأحد بأن يبتلعها.ولذلك فإن عبارة الملك الأخيرة في الأمم المتحدة ليست مجرد خاتمة لخطاب:«المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضاً».والأردن، في هذه اللحظة التاريخية، اختار ألا يتجاهلاختار أن يرى ما يجري.وأن يسمي المخاطر بأسمائها.وأن يرسم خطوطه الحمراء.فالدبلوماسية الأردنية قد تكون هادئة، لكنها ليست غافلة وصوت الأردن قد يكون عقلانياً، لكنه ليس ضعيفاً وحدود الأردن قد تكون مفتوحة للسلام، لكنها ليست مفتوحة للمشاريع التوسعية.
جلالة الملك عبدالله الثاني يرسم خطوط الأردن الحمراء
مدار الساعة ـ