يُروى في حكاية قبلية عميقة المغزى أن شيخين كانا يتحدثان عن القوة والقيادة والرجال. قال الأول بثقة "عندما يصهل حصاني، تصمت كل أحصنة رجالي"، فرأى في الصمت دليل الهيبة، وفي انقطاع الأصوات علامة على أن الجميع يعرف من هو صاحب القرار. فابتسم الثاني وقال "أما أنا، فعندما يصهل حصاني، تصهل كل أحصنة رجالي، لأنها تشبهه". عبارة بسيطة تخفي فلسفة كاملة في معنى القيادة: فهناك بعض قادة المؤسسات يصنعون من حولهم صامتين، وآخرين يصنعون من حولهم من يشبههم في الشجاعة والمسؤولية. الأول يصنع أتباعا، والثاني يصنع رجالًا، وبين الاثنين كان يتحدد مصير الصراع القبلي، واليوم يتحدد مصير المؤسسات.
فقيادة المؤسسات القائمة على إسكات الآخرين قد تبدو قوية في الظاهر، لكنها في جوهرها تخشى تعدد الأصوات؛ والصمت كثيرًا ما يُساء تفسيره على أنه انضباط، بينما قد يكون خوفًا أو مصلحة أو يأسًا من جدوى الكلام. والأخطر أن قائد المؤسسة قد يعتاد هذا الصمت حتى يظن أن من حوله يفكرون مثله، بينما الحقيقة أنهم تعلموا فقط ألا يقولوا ما يفكرون فيه. وهنا تبدأ أخطر مراحل انهيار المؤسسات: حين يختفي الرجال الحقيقيون، لا لأنهم غادروا المكان جسدياً، بل لأنهم تعلموا أن النجاة فيه لا تحتاج شجاعة بل صمتا، فيتحول المسؤول تدريجيا من قائد تحيط به عقول متعددة إلى مركز إدارة تدور حوله أصوات متشابهة، حتى لا يعود يسمع الحقيقة بل الصدى الذي صنعه بنفسه داخل مؤسسته.أما القيادة الحقيقية فلا تخاف من الصدى لأنها لا تحتاجه أصلا؛ فالقائد الحقيقي يريد حوله رجالا يقولون له ما لا يريد سماعه، ويختلفون معه حين يرون الطريق خاطئًا، ثم يقفون إلى جانبه حين يُتخذ القرار. هو لا يبحث عمّن يشبهه في كل شيء، بل عمّن يشبهه في شيء أعمق: الفكر، والشجاعة، والإيمان بالمهمة، والاستعداد لدفع ثمن القرار حين يصبح مكلفًا. ومعنى "تصهل لأنها تشبهه" أعمق من مجرد الحماس؛ فالقائد لا يستطيع أن يطلب من رجاله صفات لا يملكها هو: إن كان جبانًا انتشر الخوف داخل المؤسسة، وإن كان مترددًا انتشر التردد، وإن كان يبحث عن نجاته الشخصية تعلّم من حوله أن النجاة أهم من المهمة، أما إذا كان شجاعًا ومستعدًا لتحمل المسؤولية فإن هذه الصفات تنتقل حتى تتحول من خصائص فردية إلى ثقافة جماعية. وهذه نقطة تستحق تأملًا إضافيًا: فالثقافة التنظيمية ليست وثيقة قيم تُعلَّق على الجدران، بل هي انعكاس يومي لسلوك من في قمة هرم المؤسسة؛ فالمرؤوسون لا يتعلمون مما يُقال لهم، بل مما يُغتفر لهم، ومما يُحاسَبون عليه، وحين يُكافأ الصمت ويُعاقب الاختلاف، تصبح الجرأة استثناءً بدل أن تكون قاعدة.فقيادة المؤسسات إذن ليست أن تقول "أنا"، بل أن تجعل الآخرين قادرين على قول "نحن"؛ وأعظم ما يصنعه القائد ليس القرارات التي يتخذها، بل نوعية الرجال الذين يحيطون به عند اتخاذها. فقد ينجح قائد في حل أزمة بقرار استثنائي، لكن نجاحه الحقيقي يظهر حين ينعكس في مؤسسة قوية قادرة على مواجهة ألازمات، لا من يستنزفها بالقرارت الشعبوية (وكان القاعدة لدى البعض تنتهي فترتي بسلام، ومن بعدي الطوفان). القائد، هو من يجعل الآخرين قادرين على التحرك داخل المؤسسة في غيابه، وكل منهم يتحمل المسؤولية. ومن هنا تتضح مأساة بعض البيئات الإدارية: حين تتحول الوظيفة إلى غاية، والموقع إلى حماية، والقرار إلى وسيلة لإرضاء الأعلى، يصبح المسؤول أكثر اهتمامًا ببقائه من اهتمامه بالأثر الذي يتركه، ويبدأ الرجل الحقيقي بالاختفاء لا جسديًا بل سياسيًا وادارياً: يظل في الغرفة لكنه لا يتحدث، يرى الخطأ لكنه ينتظر أن يصححه غيره ان وجد من يصحح عندها.وقد عشت هذا المعنى بتجربتين متناقضتين. زميل عمل في فريق العمل، كان كلما طُرح موضوع يكتفي بالقول "الي تشوفه عطوفتك"، وتم استُبدله في أقرب فرصة؛ وعندما سئلت عن سبب استبداله مع انه غير مزعج، اجبت بانني لا أبحث عن من يطبّل لكل ما أقول، بل عمّن له رأي في كل ما يطرح، فقولي قد يكون خطأً. وفي المقابل، بقي في الفريق سنوات طويلة أشخاص اختلفت معهم واحتدم النقاش بيننا أكثر من مرة حول قضايا المصلحة العامة؛ لأن الاختلاف الصادق ليس تهديدًا يستوجب الإبعاد، بل هو ما يستحق الاحترام والبقاء والثقة. فالفريق الذي يكتفي أعضاؤه بترديد "الي تشوفه" ليس فريقًا، بل صدى لصوت واحد، وأي صدى مهما بدا مريحًا لا يستطيع أن ينبهك حين تسير في الاتجاه الخاطئ.والمثال الأوضح كان حين اتخذنا قرارًا اعتبر وقتها إستراتيجيًا، وهو تطبيقًا مباشرًا للقانون والنظام، لكنه لم يُطبَّق من قبل. حاول أحد نواب الرئيس أن يثنيني عنه قائلًا "هذا القرار لم يسبقك إليه أحد، وردة الفعل عليه ستزعجك، وقد يكون لها تبعات"، المركب ماشي اتركه". فكان الرد من لا يستطيع تحمل مسؤولية تطبيق القانون والنظام، من الأفضل أن لا يبقى في الفريق، وأخرج من الفريق خلال أقل من شهر. أما القرار، فرغم، ما قيل عن تبعاته، إلا أنه غير مسار المؤسسة، فنقلها خلال ثلاث سنوات من ترتيب 3058 عالميًا إلى أول ألف في العالم، والمرتبة الثانية على مستوى الأردن. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين من يحمي موقعه ومن يحمي المؤسسة: الأول يسأل ماذا سيحدث لي إذا اتخذت القرار، والثاني يسأل ماذا سيحدث للمؤسسة إذا لم أتخذه.وهكذا تمتلئ مؤسسات الدولة بالمديرين بينما تعاني نقص القادة. المدير يحافظ على الوضع القائم، والقائد يسأل: هل ينبغي أن يبقى هذا الوضع أصلًا؟ المدير يفكر في تقريره القادم، والقائد في عقده القادم. المدير يسأل ماذا يريد مني الأعلى، والقائد يسأل ماذا تحتاج المؤسسة وبالتالي الدولة. ولهذا فإن أخطر علامات ضعف القيادة ليست الفوضى، بل الهدوء المفرط الذي يسبق الدخول في الازمات: حين لا يعترض أحد فقد يكون ذلك خوفًا، لا انضباطًا، وحين يوافق الجميع فقد يكون نفاقًا لا إجماعًا. وبمرور الزمن يتغير جوهر المؤسسة: الخوف ينتقل من فرد لآخر، والحذر يصبح ثقافة، والمجاملة نظامًا غير مكتوب، حتى تبدو المؤسسة مستقرة من الخارج بينما تتآكل قدرتها من الداخل. وهذا التآكل يشبه ما يحدث في الأنظمة البيئية حين يُقصى المفترس الطبيعي فيختل التوازن تدريجيًا دون أن يلاحظ أحد الخلل إلا بعد فوات الأوان؛ فغياب المعارضة البنّاءة والاختلاف في الرأي داخل المؤسسة، يشبه غياب ذلك المفترس الذي كان يحفظ توازن المنظومة البيئة كلها.فالمؤسسة القوية ليست التي لا يختلف فيها الناس، بل التي تدير الاختلاف لتحقيق الأهداف الكبرى للمؤسسة. والرجل الذي يخالفك بأمانة أثمن من الذي يوافقك خوفًا أو مجاملة او نفاقاً؛ الأول قد ينقذك من خطأ، والثاني قد يقودك إليه وهو يبتسم. وهذا هو الفارق بين الإخلاص الحقيقي والزائف: الأول يقول الحقيقة حين تكون ضرورية، ثم يعمل مع القائد حين يُتخذ القرار، أما الثاني القائم على التصفيق الدائم فعلاقته مصلحة تنهار عند أول اختبار، والتجارب كثيرة.وصناعة الرجال الدولة ليست قضية أخلاقية فحسب، بل مسألة أمن قومي؛ فالمؤسسات المعتمدة على عدد محدود من الأشخاص تصبح هشة أمام الصدمات، بينما تلك التي تصنع الرجال باستمرار تمتلك "العمق القيادي": صفوفًا متعددة قادرة على تحمل المسؤولية عند الحاجة. وهذا العمق لا يظهر في أوقات الاستقرار، بل في لحظة الأزمة وحدها، حين لا ينفع عدد المكاتب ولا كثرة الألقاب. فأخطر ما يصيب المؤسسات، ليس أن يخطئ قائدها، فالقادة يخطئون، بل أن تختفي القدرة على تصحيح خطئه.ومن هنا تكتسب التوجيهات الملكية المتكررة في الأردن بشأن جراءة وصراحة المسؤولين ومحاربة المجاملة الإدارية معناها العميق: البحث عمّن يقول الحقيقة لا عمّن يهز رأسه موافقًا، وهي في جوهرها ذات حكمة الشيخ الثاني في الحكاية. وأضيف أن هذا المبدأ يتجاوز حدود الإدارة الرسمية إلى بنية المجتمع كله: فالأسرة التي تربي أبناءها على الطاعة الصامتة تصنع أفرادًا هشين أمام أول اختبار حقيقي في الحياة، تمامًا كما تفعل المؤسسة حين تكافئ الخضوع بدل الرأي؛ فصناعة "الرجال" ليست مهمة القيادة السياسية وحدها، بل مسار تربوي وثقافي متكامل يبدأ من البيت والمدرسة قبل أن يصل إلى غرف القرار.فالقائد الواثق لا يخشى الأقوياء من حوله بل يحتاجهم، لأن من يحيط نفسه بالضعفاء يبقى أسيرًا لضعفهم. وهذه إعادة بناء لمعنى الرجولة السياسية: شجاعة أخلاقية لا استعراض للقوة؛ أن تقول الحقيقة التي تخدم مصلحة المؤسسة او الدولة دون مجاملة، وتعترف بالفشل دون البحث عن كبش فداء، وتدرك أن المنصب أمانة يجب ان تقدم ما لديك باقصى قدرة، لا ان تعمل للبقاء فيه لأطول وقت بهدوء. فلا يسأل رجل الدولة ماذا سأكسب، بل ماذا تحقق للمؤسسة؛ وهذا هو الفارق بين السياسي الذي يفكر في الدورة القادمة، ورجل الدولة الذي يفكر في الجيل القادم.والعالم يدخل مرحلة لن تكون فيها القوة مجرد امتلاك الثروة أو السلاح فقط، بل نوعية الإنسان الذي يديرها؛ فالذكاء الاصطناعي لن ينقذ مؤسسات الدولة يخاف مسؤولوها من القرار. وهنا فكرة إضافية جديرة بالتأمل: فكلما ازدادت أدوات المعرفة والتحليل تعقيدًا وتوفرًا، ازدادت الحاجة إلى من يملك شجاعة تحويل المعلومة إلى قرار، لا مجرد جمعها وعرضها؛ فالخطر القادم ليس نقص البيانات بل وفرة المحللين وندرة المقررين. فبناء الرجال، في النهاية، هو بناء للسيادة، والسيادة ليست أن تملك قرارك على الورق، بل أن تملك من يستطيع استخدامه في اللحظة المناسبة.فالمؤسسات، في النهاية، لا تُقاس بعدد الذين يصمتون حين يصهل حصان قائدها، بل بعدد الرجال الذين تصهل خيولهم معه، لأنهم يشبهونه حين تواجه المؤسسة ازمة كبرى. وحين تتعلم مؤسسات الدولة كيف تصنع هؤلاء الرجال، لن يكون السؤال بعد اليوم: من يصهل حصانه؟ بل: كم حصانًا يصهل لحماية المؤسسة؟ وهنا، تحديدًا، تبدأ قوة المؤسسة والدولة.صناعة الرجال وحكمة صهيل الخيول وسر المؤسسات القوية
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
صناعة الرجال وحكمة صهيل الخيول وسر المؤسسات القوية
الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية رئيس جامعة البلقاء التطبيقية السابق
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ