أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العقبة بين سياحة بلا ضوابط وهوية تبحث عن صوتها


د. مصطفى التل

العقبة بين سياحة بلا ضوابط وهوية تبحث عن صوتها

مدار الساعة ـ

في مدينة العقبة على الطرف الجنوبي من الأردن تدور هذه الأيام نقاشات لا تهدأ حول معنى السياحة وحدودها.

المدينة التي تُروَّج كواجهة اقتصادية واستثمارية كبرى تجد نفسها أمام سؤال لم يعد ترفاً فكرياً : هل التنمية السياحية التي نشهدها تخدم المدينة وأهلها أم تخدم أرقاماً تُكتب في تقارير لا تعرف شيئاً عن الناس الذين يعيشون هنا؟!

في تشرين الثاني من العام الماضي أقام أحد الفنادق في العقبة حفلة تضمنت فقرات راقصة وذلك في موقع يحمل اسماً ثقيلاً في الذاكرة الوطنية : منزل الشريف الحسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى , لم يكن الموقع عادياً ولم تكن الفعالية عادية.

سرعان ما تحرك نواب العقبة ووُجِّهت رسالة رسمية إلى رئيس الوزراء اعتبرت ما جرى "إخلالاً بالآداب العامة" ومساساً بالرموز الوطنية والدينية.

الحدث لم يكن معزولاً فقد سبقته وقائع مشابهة في مناطق سياحية أخرى، وتلته حفلات أثارت جدلاً واسعاً على منصات التواصل، بين مَن يراها "ترفيه المشهد السياحي" ومن يراها "طمساً لهوية المدينة وكرامة أهلها".

الأهم من التفاصيل أن هذه الوقائع كشفت انقساماً حقيقياً: فريق يرى أن العقبة يجب أن تكون "مدينة مفتوحة بلا قيود"، وفريق آخر يرى أنها مدينة لها أهل وقيم وتاريخ ولا يجوز أن تُدار وكأنها أرض بلا هوية.

يجب أن يكون الكلام واضحاً منذ البداية : لا أحد يرفض السياحة , العقبة تعيش على السياحة والتجارة والميناء، ولا يمكن لأحد عاقل أن يطالب بإغلاق المدينة.

المشكلة ليست في السياحة كقطاع بل في نموذج سياحي يرفع شعار "الأرباح أولاً" ويهمل كل ما عداه: هوية المدينة، قيم مجتمعها، مستقبل شبابها، وحتى كرامة الأماكن التاريخية.

فعندما تُدار الفعاليات السياحية بمنطق "كل ما يجلب الزوار مقبول" فإن النتيجة الطبيعية أن تظهر مظاهر لا تشبه المجتمع الأردني، ولا حتى تناسبه.

وعندما يرفع صوت الاعتراض يُقابَل فوراً باتهامات جاهزة: "أنتم ضد التنمية"، "أنتم رجعيون"، "تريدون إغلاق البلد".

هذه الاتهامات هي بالضبط ما يجعل النقاش مستحيلاً ويجعل أهل المدينة يشعرون أنهم طارئون على مدينتهم.

السؤال الجوهري ليس "سياحة أم لا"، بل: مَن يقرر شكل هذه السياحة؟!

هل يقرره مستثمر لا يعيش في العقبة ولا يهمه إلا العائد المالي ولو على حساب أخلاق اهلها وعاداتهم ودينهم وثقافتهم ؟!

أم يقرره أهل المدينة بأعرافهم وقيمهم واحتياجاتهم؟!

التجربة تقول إن المدن السياحية التي نجحت في العالم من جزر اليونان إلى قرى إيطاليا إلى واحات المغرب، نجحت لأنها حافظت على ما يميزها، لا لأنها تخلّت عنه.

الزائر لا يأتي إلى العقبة ليجد نسخة من شرم الشيخ أو بيروت، بل يأتي ليجد العقبة: البحر الأحمر، الشعب المرجانية، اهلها وعاداتهم ، التاريخ الإسلامي والمسيحي ، المأكولات المحلية، الفلكلور الأصيلة , هذه هي رأس المال الحقيقي لا الحفلات التي تثير الجدل.

الحديث عن ضوابط للفعاليات السياحية ليس طرحاً متخلفاً ولا متشدداً, دول أوروبية كثيرة تضع ضوابط صارمة على الفعاليات في المواقع التراثية، وأخرى تحدد طبيعة الأنشطة المسموحة في المناطق السكنية، وثالثة تفرض معايير على المحتوى الترفيهي الموجه للجمهور العام ( كون جماعتنا بحبوا الاجانب ويضعوهم مثلهم الأعلى ) .

الضوابط تعني ببساطة أن الحرية الفردية لا تُستخدم ذريعة لفرض رؤية على مجتمع كامل , فالمطلوب ليس منع الترفيه بل تنظيمه : تراخيص واضحة، فضاءات محددة، احترام للأماكن التاريخية والدينية، حماية القاصرين، وإشراك المجتمع في القرار.

هذا ليس تقييداً للحريات بل تنظيم للحياة العامة في مدينة يعيش فيها بشر، لا في وجهة استثمارية مفتوحة.

المهم أن يعرف القارئ أن الاعتراض على هذه الفعاليات لم يبدأ مع عمرو دياب , قبل أسابيع من الحفلة وجّه النائبان لبنى النمور وبكر الكساسبة رسالة رسمية إلى رئيس الوزراء طالبا فيها بوقف ما وصفاه بـ"حفلات الغناء" في العقبة، لأنها "تخالف تعاليم الإسلام وقيم المجتمع الأردني وعاداته وتقاليده".

اللافت أن النائبين لم يقولا "نرفض السياحة" بل قالا صراحة إنهما يدعمان "تنشيط السياحة والاقتصاد في العقبة"، لكن بشرط أن تكون الفعاليات "متوافقة مع هوية المجتمع وقيمه".

هذا هو جوهر القضية: الاعتراض ليس على السياحة بل على نموذج سياحي يُفرض على المدينة من الخارج، دون أي مراعاة لأهلها.

والسؤال الذي طرحته إحدى المنصات المحلية كان دقيقاً: "مَن يمثل هوية العقبة؟!" العقبة مدينة أردنية فيها سكان وعائلات وعشائر وتاريخ محلي، وفي الوقت نفسه هي منطقة اقتصادية خاصة، ومنطقة استثمارية موجهة للأسواق الإقليمية والدولية.

هذان الوجهان ليسا متناقضين بالضرورة لكن التناقض يظهر عندما يصبح "التوجه الدولي" ذريعة لتجاهل المجتمع المحلي بالكامل.

بعض المدافعين عن الحفلة قالوا إن الأردنيين أنفقوا في الأشهر السبعة الأولى من 2026 نحو 11 مليار دولار على السياحة خارج الأردن، فلماذا لا نحاول جذب جزء من هذه الأموال إلى الداخل؟! المنطق الاقتصادي سليم لكن السؤال يبقى: ما الثمن؟ ! هل الثمن أن تتحول العقبة إلى مكان لا يعترف فيه أهلها بأنفسهم؟!

ما يحدث في العقبة ليس خلافاً على حفلة أو فعالية بعينها بل خلاف على مَن يملك حق تحديد هوية المدينة.

هل يحددها المستثمر الذي يرى في المدينة سوقاً؟! , أم يحددها أهلها الذين يعيشون فيها ويحملون تاريخها؟!

النموذج الذي يقدس المال ويعتبر كل ما سواه قابلاً للتضحية لن يبني مدينة مستدامة , قد يبني فنادق وقد يملأ غرفاً وقد يحقق أرقاماً مبهرة في التقارير السنوية , لكنه لن يبني انتماءً ولن يصنع مدينة يشعر أهلها أنها لهم. السياحة التي تُبنى على حساب كرامة الناس وهوية المكان هي سياحة مؤقتة.

أما السياحة التي تحترم المكان وأهله وتمنحهم صوتاً وحصة ومكاناً في القرار، فهي السياحة التي تبقى.

والعقبة، ببحرها وتاريخها وأهلها تستحق أن تكون النموذج الثاني لا الأول.

مدار الساعة ـ