أقر مجلس الوزراء في 17 أيلول 2026 تسهيلات وإعفاءات لاستكمال إجراءات البدء بتنفيذ مشروع الناقل الوطني للمياه، الذي يستهدف تحلية نحو 300 مليون متر مكعب سنويا، بما يوفر قرابة 40% من احتياجات المملكة من مياه الشرب. وتشير التقديرات الحكومية إلى أن المشروع قد يسهم في رفع التزويد المائي من يوم واحد إلى نحو ثلاثة أيام أسبوعياً في مختلف المحافظات.
لا شك أن المشروع استراتيجي وضروري لبلد يعد من أكثر دول العالم جفافا وفقرا بالمياه. لكن نجاحه الحقيقي لن يقاس بحجم الاستثمار، ولا بطول الأنابيب أو بعدد ملايين الأمتار المكعبة المنتجة، بل بمقدار ما سيشعر به المواطن في حياته اليومية.المواطن لا يعيش داخل دراسات الجدوى، ولا يشرب أرقامها. ما يعنيه في نجاح أي مشروع مائي هو أن تصل المياه إلى منزله بانتظام، وألا يبقى أسبوعه مرتبطا بانتظار دور المياه، أو مضطرا إلى شراء الصهاريج وتحمل كلفة إضافية للحصول على حق أساسي.لقد علق الأردنيون آمالا كبيرة على مشروع جر مياه الديسي، ولا يمكن إنكار أهميته أو دوره في تعزيز مصادر المياه واستقرار التزويد في مناطق واسعة. لكن، بعد سنوات من تشغيله، بقي واقع التزويد المتقطع قائما في كثير من المناطق، وما زالت المياه تصل إلى منازل عديدة يوماً واحدا في الأسبوع، فيما تعاني بعض المناطق، ومنها في محافظة عجلون، أوضاعاً أشد صعوبة.لهذا فإن التحدي أمام الناقل الوطني لا يقتصر على إنتاج المياه، بل على ضمان وصولها بعدالة وكفاءة إلى المواطن في مختلف المحافظات. فالأزمة ليست أزمة مصادر فقط، وإنما ترتبط أيضا بالشبكات، والفاقد المائي، وكفاءة الإدارة والتوزيع، والعدالة بين المناطق.وهنا تظهر أهمية المشروع من منظور الديمقراطية الاجتماعية. فالماء ليس سلعة عادية ولا امتيازاً لمن يستطيع شراء الصهاريج أو بناء خزانات أكبر. إنه حق أساسي، ومسؤولية الدولة أن تضمن وصوله بعدالة وانتظام، بصرف النظر عن دخل المواطن أو مكان إقامته.إن العدالة المائية جزء من العدالة الاجتماعية. فلا ينبغي أن يحظى مواطن بخدمة أفضل لمجرد أنه يعيش في منطقة أكثر حظاً، بينما يبقى مواطن آخر أسيراً للعطش وانتظار دوره لأسابيع. كما أن الحديث عن الأمن المائي لا ينفصل عن الأمن الاجتماعي وكرامة الإنسان.نريد للناقل الوطني أن ينجح، وأن يكون تحولا حقيقياً في واقع المياه في الأردن، لا مجرد مشروع ضخم نحتفل بأرقام إنتاجه بينما يبقى المواطن ينتظر وصول المياه إلى بيته.لذلك يجب أن يترافق المشروع مع معالجة جدية لفاقد المياه، وتحديث الشبكات، وتحسين الإدارة، ووضع معايير واضحة وعادلة للتوزيع بين المحافظات.فالاختبار الحقيقي لن يكون يوم افتتاح المشروع، بل في اليوم الذي يفتح فيه المواطن صنبور بيته ويشعر أن شيئاً تغير فعلاً.المواطن لا يشرب الأرقام… المواطن يشرب الماء.المواطن يحتاج الماء لا الأرقام
مدار الساعة ـ