أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العين العماوي تكتب: ما بعد الأردن الرقمي.. فجوة القدرات البشرية

مدار الساعة,مقالات,ولي العهد,مؤسسة التدريب المهني,التدريب المهني,الذكاء الاصطناعي
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة - كتبت. العين د. عبلة العماوي -لا يعاني الأردن من مشكلة في الذكاء الاصطناعي، بل في "القدرات البشرية". وهذا التمييز هو ما سيحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى محرك للإنتاجية -- أم مجرد تكنولوجيا ننجح في تبنيها دون ترجمتها إلى وظائف أفضل ودخول أعلى وخدمات أكثر جودة.

يمتلك الأردن بالفعل "الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2023-2027" متضمنة بناء القدرات وتطوير المهارات والخبرات الأردنية، لكن السؤال الحقيقي يتعلق بجعل بناء القدرات أكثر مركزية في مرحلة التنفيذ.

في ظل بطالة تبلغ 16.1% في الربع الثاني من 2026، وتتجاوز 40.0% بين بعض الفئات الشابة، إذا كنا نكافح اليوم لإيجاد فرص عمل كافية، فماذا سيحدث عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير طبيعة الطلب على العمالة على نطاق واسع؟ هذه ليست مجرد إحصائية؛ بل إشارة مقلقة إلى قاعدة المهارات التي سيُبنى عليها استيعاب التكنولوجيا مستقبلاً.

من التحول الرقمي إلى القدرة الاقتصادية

أمضى الأردن سنوات في السعي نحو التحول الرقمي وبناء البنية التحتية التكنولوجية. لكن الذكاء الاصطناعي يغير المعادلة؛ فالمرحلة القادمة لا تتعلق بنقل الخدمات إلى الإنترنت، بل بقدرة الأفراد والمؤسسات على استخدام التكنولوجيا لإنتاج قيمة أكبر.

القضية الحقيقية ليست عدد الوظائف التي سيلغيها الذكاء الاصطناعي، بل ما سيحدث للمهام داخل كل وظيفة: ما تنفذه الآلات، وما يحتفظ به البشر، والمهن الجديدة الناشئة. وفي بلد لم يعد فيه القطاع العام يستوعب الأعداد الكبيرة من الخريجين كما كان سابقاً، ولا تزال ظروف العمل أكثر جاذبية من القطاع الخاص، تتطلب إعادة توزيع المهام مرونة غير مسبوقة في سوق العمل. فالخطر الأكبر هو اتساع الفجوة بين من يستطيعون العمل بفاعلية مع الذكاء الاصطناعي ومن لا يستطيعون.

يواجه الأردن تحدياً هيكلياً مزدوجاً: ضعفاً في بعض المهارات الأساسية لدى الطلبة، بالتوازي مع استمرار هجرة جزء من الكفاءات. وإن تحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية ينطلق من بناء القدرات من القاعدة مع الحفاظ على الكفاءات العالية داخل الوطن.

الذكاء الاصطناعي لا يستطيع التعويض عن ضعف المهارات الأساسية. فالتفكير الناقد، والمهارات الرقمية والرياضية، وحل المشكلات، والتعلم المستمر تزداد أهميتها مع تنامي قدرات التكنولوجيا. وفي برنامج تقييم الطلبة الدوليين 2022 ((PISA حقق 17% فقط من الطلبة الأردنيين الحد الأدنى من الكفاءة في الرياضيات مقارنة بـ 69% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتكشف هذه الفجوة عن تحدٍ جوهري في قاعدة المهارات التي سيُبنى عليها استيعاب التكنولوجيا مستقبلاً؛ فالشهادة الجامعية وحدها لم تعد كافية لضمان التوظيف في اقتصاد يتحرك بسرعة الذكاء الاصطناعي؛ مما يحتم التفكير بمنطق "القدرات" لا "الشهادات" وهذا ما يضع التعليم في قلب النقاش حول الذكاء الاصطناعي.

من الخدمات الرقمية إلى الدولة القادرة

الدولة الممكنة بالذكاء الاصطناعي ليست مجرد دولة تقوم برقمنة المعاملات أو إطلاق برامج المحادثة الآلية (Chatbots)، بل هي الدولة التي تستطيع مؤسساتها استخدام البيانات، وإعادة تصميم العمليات، وحماية المعلومات، وقياس النتائج، واتخاذ قرارات قائمة على الأدلة.

تقدم الأردن حقيقي؛ إذ احتل المرتبة 49 من 188 دولة في مؤشر جاهزية الحكومة للذكاء الاصطناعي 2024. لكن الجاهزية ليست هي الأثر؛ ويحتل الأردن المرتبة 71 في مؤشر الجاهزية الشبكية، والمرتبة 108 في محور الأثر. وتوحي هذه الفجوة بأن الأردن قد يكون أسرع في تبني التكنولوجيا من تحويلها إلى قيمة اقتصادية؛ وتلك هي تحديداً "فجوة القدرات البشرية".

ما الذي ينبغي على الأردن فعله بعد ذلك؟

أولاً: تحويل القدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي إلى أجندة إنتاجية وطنية تتكامل مباشرة مع رؤية التحديث الاقتصادي، لتحدد في كل قطاع المهام القابلة للتطوير والمهارات المطلوبة ومكاسب الإنتاجية المتوقعة.

ثانياً: تطوير التعليم والتدريب المهني والتقني (TVET) بالتركيز على الرياضيات والتربية الرقمية والتفكير الناقد، ومواءمة مناهج مبادرات مؤسسة ولي العهد والجامعات ومؤسسة التدريب المهني مع الاحتياجات الناشئة في القطاع الخاص، مع ربط إعادة التأهيل بفرص عمل حقيقية، وأصحاب عمل، ونتائج توظيف مقاسة.

ثالثاً: وضع إطار عمل للانتقال نحو الذكاء الاصطناعي لدعم العمال والشباب، وتحفيز شركات القطاع الخاص على الاستثمار المشترك في رفع كفاءة العمال من خلال إعفاءات ضريبية موجهة أو منح مطابقة.

رابعاً: الاستفادة من تجربة سنغافورة في SkillsFuture، وتوسيع الدعم ليشمل الجاهزية للذكاء الاصطناعي وإعادة التأهيل المرتبطة به، لإعداد العمال للوظائف المتغيرة قبل أن يتحول التغيير إلى بطالة، وتطوير "بطاقة قياس إنتاجية الذكاء الاصطناعي" التي لا تقيس التبني فحسب، بل تقيس الإنتاجية، والوظائف الجديدة، واكتساب المهارات، واستخدام الشركات الصغيرة والمتوسطة، وكفاءة الخدمات العامة، ومدى وصول الفوائد إلى الأسر.

الاختبار النهائي ليس في عدد أنظمة الذكاء الاصطناعي التي ينشرها الأردن، بل في مدى مساهمتها في مساعدة شاب أردني على إيجاد وظيفة أفضل، وشركة على زيادة إنتاجيتها، وموظف قطاع عام على تقديم خدمة أجود، ومساعدة الأسر على تحقيق تحسن ملموس في الفرص الاقتصادية.

لقد كان التحول الرقمي الأول يتعلق بربط الأفراد والمؤسسات بالتكنولوجيا، أما التحول القادم فيجب أن يكون حول بناء قدرة الأفراد والمؤسسات على العمل معها. ولم يعد السؤال الاستراتيجي اليوم ما إذا كان الأردن قادراً على أن يصبح دولة رقمية أو ممكنة بالذكاء الاصطناعي، بل ما إذا كان سيصبح قادراً بالذكاء الاصطناعي قبل أن يفرض سوق العمل ذلك.


مدار الساعة ـ