أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين تضيق الحياة.. لا ينبغي ان تضيق الكرامة


المحامية نسرين صخر زريقات
خبيرة في مجال حقوق الإنسان والعدالة الجنائية

حين تضيق الحياة.. لا ينبغي ان تضيق الكرامة

المحامية نسرين صخر زريقات
المحامية نسرين صخر زريقات
خبيرة في مجال حقوق الإنسان والعدالة الجنائية
مدار الساعة ـ

ليس كل فقير يمد يده.

بعض الفقراء يمدّون أعمارهم كلها كي لا يمدّوا أيديهم.

يستيقظون كل صباح، يحملون ما تبقّى من قوتهم، ويمضون إلى أعمالهم، إلى مدارسهم، إلى بيوتهم الصغيرة، محاولين أن يبدوا أمام العالم بخير، بينما في داخلهم حسابات لا تنتهي: فاتورة، إيجار، دواء، قسط، طعام، وحاجة جديدة لم تكن في الحسبان.

الفقر في صورته الأشد قسوة ليس أن يقلّ ما في الجيب، بل أن تضيق مساحة الخيارات أمام الإنسان حتى يصبح يومه كله محاولة لتأمين يوم آخر.

وهنا تبدأ الحكاية التي لا تظهرها الأرقام.

فوراء كل نسبة فقر، بيت.

ووراء كل رقم في تقرير اقتصادي، أمّ تحاول أن توزّع القليل بعدل حتى لا يشعر أحد أبنائها بأنه أقل من الآخرين، وأب يخفي قلقه كي لا يسقط من عيون أطفاله، وشاب يؤجل حلمًا للمرة العاشرة لأنه لا يملك ترف الحلم، وطفل يتعلم مبكرًا أن هناك أشياء كثيرة يتمناها، لكنه لا يطلبها.

هذه التفاصيل الصغيرة هي الوجه الإنساني للفقر.

ذلك الوجه الذي لا تستطيع الأرقام أن ترويه كاملًا.

فنحن كثيرًا ما نتحدث عن الفقر باعتباره مشكلة اقتصادية، وعن البطالة باعتبارها رقمًا، وعن الحماية الاجتماعية باعتبارها برامج وموازنات.

لكن خلف كل ذلك إنسان.

إنسان يريد أن يعيش بكرامة، لا أن يعيش فقط.

وهذا هو الفارق الذي يجب أن نفهمه جيدًا.

فالإنسان لا يحتاج فقط إلى وجبة عندما يجوع، بل يحتاج إلى عمل يضمن له ألا ينام جائعًا.

ولا يحتاج فقط إلى مساعدة عندما يعجز عن شراء الدواء، بل إلى نظام صحي يحميه من أن يتحول المرض إلى كارثة اقتصادية على أسرته.

ولا يحتاج الطفل إلى حقيبة مدرسية في بداية العام فحسب، بل إلى تعليم جيد يفتح أمامه أبوابًا لا تغلقها ظروف عائلته.

ولا يحتاج الشاب إلى وظيفة مؤقتة تسكّن قلقه لبعض الوقت، بل إلى فرصة عادلة يستطيع من خلالها أن يبني مستقبله ويشعر أن جهده له قيمة.

لأن الفقر، حين يطول، لا يسلب المال وحده.

قد يسلب الثقة.

والأمان.

والقدرة على التخطيط.

وأحيانًا، وهذا هو الأخطر، يجعل الإنسان يشك في حقه بحياة أفضل.

وهنا لا تعود المسألة مسألة دخل فقط، بل تصبح مسألة كرامة.

فالفقير ليس أقل قيمة لأنه يملك أقل.

والمحتاج ليس أقل استحقاقًا للحياة لأنه لم يولد في الظروف نفسها التي وُلد فيها غيره.

والطفل الذي بدأ حياته من بيت محدود الموارد لا ينبغي أن يدفع ثمن ذلك طوال حياته.

نحن لا نختار نقطة البداية.

لكن مسؤولية المجتمع والدولة أن تضمن ألا تتحول نقطة البداية إلى حكم نهائي على المستقبل.

لهذا، فإن العدالة الاجتماعية ليست أن نجعل الجميع متساوين في النتائج، وإنما أن نمنح الجميع فرصة عادلة للوصول.

أن نضمن للطفل تعليمًا لا يخذله.

وللشاب فرصة عمل تحفظ كرامته.

وللأسرة حماية عندما تمر بأزمة.

وللمريض علاجًا لا يهدد استقرار بيته.

ولكبير السن حياة لا تعتمد على صدفة وجود قريب قادر على إعالته.

العدالة تبدأ عندما لا يصبح الفقر سببًا لفقدان بقية الحقوق.

وفي مجتمعنا، نحن بحاجة أيضًا إلى أن نعيد تعريف معنى التكافل.

التكافل ليس أن ننظر إلى الفقير من موقع أعلى ونمنحه شيئًا من فائضنا.

التكافل الحقيقي أن نقف إلى جانبه دون أن نجرح كرامته.

أن نعطيه فرصة لا صدقة فقط.

أن نساعده على الوقوف، لا أن نعتاد رؤيته منكسرًا.

فالشفقة قد تخفف ألم اللحظة، لكنها لا تصنع مستقبلًا.

أما التمكين، فيمنح الإنسان شيئًا أبعد من المساعدة: يمنحه القدرة على أن يستعيد زمام حياته.

ومن هنا، فإن مواجهة الفقر لا يمكن أن تكون موسمية.

لا تكفي حملة في الشتاء، ولا سلة غذائية في رمضان، ولا مساعدة عاجلة في أزمة.

كل ذلك مهم، بل قد يكون ضروريًا، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق.

نحن بحاجة إلى سياسات تمنع الفقر من أن ينتقل من جيل إلى جيل.

إلى تعليم نوعي.

وفرص عمل حقيقية.

وأجور عادلة.

وحماية اجتماعية فعالة.

وعدالة في توزيع الفرص.

وإلى مؤسسات قادرة على الوصول إلى الإنسان قبل أن يسقط من آخر درجات الأمان.

فالمجتمع العادل ليس هو المجتمع الذي يخلو من الفقر تمامًا، فهذا هدف بالغ التعقيد، وإنما المجتمع الذي لا يسمح للفقر بأن يتحول إلى إقصاء، ولا يسمح للحاجة بأن تسلب الإنسان صوته، ولا يسمح لطفل بأن يرث حدود مستقبله من حدود دخل أسرته.

وفي الأردن، كما في كل مجتمع، لا يمكن أن نتحدث عن المستقبل بينما هناك من يعيش حاضرًا مثقلًا بالخوف.

لا يمكن أن نطلب من الشباب أن يحلموا، ثم نتركهم سنوات طويلة يبحثون عن فرصة.

ولا يمكن أن نتحدث عن التنمية بمعناها الواسع بينما هناك أسرة تقف كل يوم أمام خيارات قاسية: الطعام أم الدواء، التعليم أم الإيجار، الحاجة اليوم أم الخوف من الغد.

التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بما نبنيه من طرق ومشاريع ومؤسسات.

تقاس أيضًا بعدد الناس الذين يشعرون أن لهم مكانًا في هذا الوطن.

أنهم مرئيون.

مسموعون.

وأن كرامتهم ليست امتيازًا لمن يملك أكثر.

وربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال الإنسان الفقير: لماذا لم تنجح؟

وأن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر عدلًا:

هل منحناه أصلًا فرصة حقيقية للنجاح؟

فليست كل الحياة تبدأ من النقطة نفسها.

هناك من يبدأ وفي يده تعليم جيد، وبيت آمن، وعائلة تستطيع أن تسنده عندما يسقط.

وهناك من يبدأ وهو يحمل مسؤوليات أكبر من عمره، ويحاول أن يصل فقط إلى خط البداية.

ومع ذلك، يظل الإنسان قادرًا على النهوض.

وكم من إنسان صنع من القليل بداية، ومن الحرمان قوة، ومن الألم طريقًا.

لكن نجاح بعض الناس رغم الفقر لا ينبغي أن يصبح ذريعة لتجاهل الفقر.

فالاستثناء الجميل لا يصنع سياسة عادلة.

ولا يجوز أن نقول: "لقد نجح فلان رغم ظروفه"، وكأن نجاحه يلغي مسؤوليتنا تجاه آلاف الذين لم تمنحهم ظروفهم المساحة نفسها للمحاولة.

المجتمعات لا تُقاس فقط بعدد الذين وصلوا.

بل أيضًا بعدد الذين لم نسمح لهم بالسقوط.

بعدد الأطفال الذين بقيت أحلامهم ممكنة.

بعدد الأسر التي استطاعت أن تعبر أزماتها دون أن تفقد كرامتها.

وبقدرتنا على أن نرى الإنسان قبل أن نرى دخله، وأن نرى قصته قبل أن نحكم على واقعه.

الفقر ليس قدرًا أبديًا.

لكنه يصبح كذلك عندما نعتاد وجوده.

عندما يصبح منظر الحاجة مألوفًا إلى درجة لا يعود يؤلمنا.

عندما نمرّ بجانب إنسان يحتاج، ونقنع أنفسنا أن الأمر لا يعنينا.

وعندما نختصر حياة إنسان كاملة بكلمة واحدة: "فقير".

بينما هو في الحقيقة أب، أو أم، أو ابن، أو أخ، أو شاب يحمل حلمًا، أو إنسان يحاول بكل ما يستطيع ألا ينكسر.

لذلك، ربما لا يحتاج الفقير إلى أن ننظر إليه من الأعلى.

يحتاج أن نقف إلى جانبه.

لا يحتاج إلى نظرة شفقة.

يحتاج إلى فرصة.

ولا يحتاج أن نذكّره بما ينقصه.

يحتاج إلى من يساعده على اكتشاف ما يستطيع أن يصنعه.

لأن كرامة الإنسان لا يجب أن تكون مرتبطة بحجم راتبه، ولا بمكان سكنه، ولا بقدرته على شراء ما يشتريه الآخرون.

كرامة الإنسان حق.

والعدالة ليست أن نعطي الفقير ما يبقيه على قيد الحياة فقط.

العدالة أن نبني مجتمعًا لا يُترك فيه إنسان وحيدًا أمام الفقر، ولا يُحكم على طفل بمستقبل أقل لأنه وُلد في بيت أقل حظًا.

وربما أجمل ما يمكن أن نفعله تجاه الفقر ليس أن نعطي الإنسان شيئًا من فائضنا فقط…

بل أن نبني وطنًا لا يشعر فيه إنسان أنه فائض عن الحاجة.

مدار الساعة ـ