أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من إربد… ولي العهد يرسم خارطة طريق لأردن أقوى وأكثر جاهزية للمستقبل


أ.د. حميد بطاينة

من إربد… ولي العهد يرسم خارطة طريق لأردن أقوى وأكثر جاهزية للمستقبل

مدار الساعة ـ
من إربد… ولي العهد يرسم خارطة
حديث ولي العهد ليس وصفًا للمرحلة… بل دعوة إلى الاستعداد لها وصناعة فرصها

من إربد، لم يكن حديث سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، مجرد حديث عن الواقع، بل كان حديثًا عن المستقبل؛ عن الأردن الذي نريد أن يكون أكثر قوة ومنعة، وأكثر قدرة على التعامل مع عالم يتغير بسرعة، ومنطقة تزداد تعقيدًا، وتحديات لم تعد تعرف حدودًا بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والمجتمع.

وهنا تكمن أهمية حديث سموه. فهو لم يتعامل مع الاستقرار باعتباره نهاية الطريق، وإنما باعتباره نقطة انطلاق لبناء اقتصاد أقوى، وتوسيع قاعدة الاستثمار، والاستفادة من التكنولوجيا، وتمكين الشباب، وتحويل الفرص التي تتيحها علاقات الأردن الدولية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

ومن إربد تحديدًا، جاءت الرسالة ذات دلالة خاصة. فهذه المحافظة ليست مجرد جزء جغرافي من المملكة، وإنما هي خزان علمي وشبابي واقتصادي كبير، وتضم جامعات ومؤسسات علمية وكفاءات وطاقات شابة قادرة، إذا توفرت لها البيئة المناسبة، على أن تكون جزءًا رئيسيًا من مشروع الأردن للمستقبل.

لقد أثبت الأردن خلال العقود الماضية أن الاستقرار ليس أمرًا عابرًا، وأن الدولة الأردنية استطاعت أن تحافظ على تماسكها وأمنها رغم وجودها في منطقة شهدت حروبًا وأزمات وصراعات متتالية.

لكن الحفاظ على الاستقرار في المرحلة المقبلة يحتاج إلى أكثر من القدرة على تجاوز الأزمات.

يحتاج إلى بناء القدرة على استباقها.

فالأردن يعيش اليوم في بيئة استراتيجية متغيرة، تتشابك فيها المخاطر الأمنية مع تحديات الاقتصاد والطاقة والمياه والغذاء وسلاسل الإمداد والأمن السيبراني والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وهذا يعني أن مفهوم الأمن الوطني نفسه أصبح أكثر شمولًا، وأن قوة الدولة لم تعد تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية اقتصادها ومصادرها الحيوية ومجتمعها وبنيتها التحتية، وضمان استمرارية عمل مؤسساتها في الظروف الصعبة.

ومن هنا، فإن حديث ولي العهد عن الاقتصاد والاستثمار والتكنولوجيا والشباب ليس ملفات منفصلة، بل هي في حقيقتها مكونات أساسية في منظومة الأمن الوطني والمنعة الوطنية.

فالاقتصاد القوي جزء من الأمن الوطني، والشباب المنتج جزء من الأمن الوطني، والقدرة التكنولوجية جزء من الأمن الوطني، والأمن الغذائي والمائي والطاقة جزء من الأمن الوطني.

وهذه الرؤية تتطلب منا أن نعيد النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع مواردنا البشرية.

فالأردن لا يملك وفرة من الموارد الطبيعية، لكنه يملك ثروة أهم: الإنسان الأردني.

ولهذا فإن الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار لم يعد خيارًا تنمويًا فقط، بل أصبح ضرورة وطنية. والجامعات الأردنية، وفي مقدمتها الجامعات الموجودة في إربد، تستطيع أن تكون شريكًا أساسيًا في هذا التحول، من خلال ربط التعليم بسوق العمل، ودعم البحث التطبيقي، وتشجيع ريادة الأعمال، وتحويل المعرفة إلى شركات ومشروعات وفرص عمل.

وفي هذا الإطار، فإن إربد تمتلك فرصة حقيقية لتكون نموذجًا وطنيًا في الاقتصاد المعرفي. فهي تجمع بين الجامعات والكفاءات والقطاع الصناعي والزراعي والخدماتي، إضافة إلى قاعدة شبابية واسعة يمكن أن تشكل رافعة حقيقية للتنمية إذا أحسنّا استثمارها.

أما ما يتعلق بالانفتاح الاقتصادي، فإن نتائج زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تمثل فرصة ينبغي ألا تضيع. فالعلاقات الدولية الناجحة تقاس في النهاية بما تنتجه من فرص لشعوبها، وما توفره من استثمارات وأسواق وتكنولوجيا ونقل للخبرات.

وهنا تقع مسؤولية مشتركة على الحكومة والقطاع الخاص والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني؛ فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى شراكة وطنية حقيقية، لا إلى أدوار منفردة.

الحكومة مطالبة بتوفير البيئة التشريعية والاستثمارية، والقطاع الخاص مطالب بالمبادرة والمخاطرة والاستثمار، والجامعات مطالبة بإنتاج المعرفة، ومؤسسات المجتمع المدني مطالبة بتعزيز الحوار والثقة والمشاركة، والشباب مطالبون بأن يكونوا شركاء في صناعة الحلول لا مجرد متلقين لها.

أما تمكين الشباب، الذي يحتل موقعًا مهمًا في رؤية ولي العهد، فيجب أن يتحول من عنوان إلى سياسات ملموسة. فالشاب الأردني يريد فرصة حقيقية للعمل والإنتاج والمشاركة، ويريد أن يشعر أن وطنه قادر على توفير مستقبل يليق بطموحه.

ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقد وطني جديد حول المستقبل؛ عنوانه الثقة، وشعاره العمل، وأساسه الشراكة، وهدفه بناء دولة أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات وأكثر قدرة على استثمار الفرص.

لقد كان حديث ولي العهد من إربد رسالة تتجاوز حدود المحافظة. إنها رسالة إلى كل الأردنيين بأن المستقبل لا ينتظر أحدًا، وأن الدول التي تستعد مبكرًا هي التي تستطيع أن تحمي مصالحها وتفرض حضورها في عالم سريع التحول.

لقد حافظ الأردن على أمنه واستقراره، وهذه أعظم قواعد القوة التي نمتلكها. لكن المطلوب الآن أن نبني فوق هذه القاعدة اقتصادًا أكثر إنتاجية، ومجتمعًا أكثر تماسكًا، وقدرة تكنولوجية أكبر، ومؤسسات أكثر جاهزية، وشبابًا أكثر مشاركة.

من إربد، وضع ولي العهد أمامنا السؤال الحقيقي: كيف نحافظ على الأردن قويًا في عالم يتغير؟

والإجابة ليست في الانتظار، ولا في إدارة الأزمات فقط، وإنما في الاستعداد، والبناء، والاستثمار في الإنسان، وتوحيد الجهود، وتحويل التحديات إلى فرص.

فالأردن الذي نريده ليس فقط أردنًا آمنًا ومستقرًا، وإنما أردنًا قويًا، منيعًا، منتجًا، متقدمًا، وقادرًا على صناعة مستقبله بيده

مدار الساعة ـ