أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من هرمز إلى العقبة.. كيف صنعت الحرب ممرا جديدا للتجارة الإقليمية؟

مدار الساعة,أخبار اقتصادية,وزارة النقل
مدار الساعة (الجزيرة نت) ـ
حجم الخط

مدار الساعة - محمد الطراونة (الجزيرة نت) - أعادت الحرب في المنطقة واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز رسم جزء من خريطة التجارة الإقليمية، ودفعت شركات ومستوردين إلى البحث عن مسارات بديلة لنقل البضائع بعيدا عن الممر الخليجي الحيوي.

وفي قلب هذا التحول برز ميناء العقبة جنوبي الأردن، الذي سجل قفزة كبيرة في حركة البضائع العابرة "الترانزيت"، خصوصا المتجهة إلى العراق وسوريا ولبنان، بالتزامن مع زيادة المناولة وحركة الشاحنات والسفن.

وتظهر البيانات التشغيلية لموانئ العقبة أن نشاط الترانزيت فيها كان المستفيد الأكبر من التحولات الأخيرة التي عرفتها المنطقة، إذ ارتفع حجم البضائع العابرة عبر محطة حاويات العقبة في النصف الأول من 2026 إلى 60 ألفا و178 حاوية نمطية، مقارنة بـ23 ألفا و593 حاوية في الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت 155.1%.

كما سجلت العقبة 188 ألفا و927 حركة دخول وخروج للشاحنات في الأشهر الستة الأولى من العام، مقابل 182 ألفا و490 حركة في الفترة ذاتها من العام الماضي.

ويأتي ذلك بعدما أدى اضطراب الملاحة عبر هرمز إلى تقليص قدرة بعض المسارات التقليدية على خدمة التجارة الإقليمية، ما أعاد توجيه جزء من البضائع التي كانت تصل إلى العراق عبر موانئ الخليج نحو العقبة، قبل نقلها برا إلى السوق العراقية، إلى جانب مسار آخر يمتد شمالا نحو سوريا ولبنان.

العراق في صدارة المستفيدين

ويقول الخبير في الاقتصاد الدولي خالد الربابعة، للجزيرة نت، إن اضطراب الملاحة في هرمز أحدث "تحولا جيو اقتصاديا مهما" في المنطقة، وجعل موانئ العقبة من أبرز المنافذ البديلة المستفيدة من إعادة توجيه حركة التجارة.

وبحسب الربابعة، تجاوز حجم المناولة في موانئ العقبة 13 مليون طن في النصف الأول من 2026، بنمو يقارب 12%، فيما ارتفعت تجارة الحاويات بنحو 5%، في حين سجلت تجارة الترانزيت القفزة الأكبر.

ويبرز العراق بوصفه الوِجهة الرئيسة لهذا التحول، إذ يقول الربابعة إن حركة الترانزيت المتجهة من العقبة إلى السوق العراقية ارتفعت بأكثر من 930%، بينما اتجهت شحنات أخرى شمالا نحو سوريا ولبنان.

ويقول عضو غرفة تجارة العقبة أسامة أبو طالب للجزيرة نت إن الزخم استمر في يوليو/تموز الماضي، مع تجاوز نمو حاويات الترانزيت 180% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، مشيرا إلى أن جزءا مهما من البضائع التي تعبر العقبة حاليا كان يدخل العراق سابقا عبر موانئ الخليج، قبل إعادة توجيهه إلى الميناء الأردني ونقله برا إلى الأراضي العراقية.

ويرى أبو طالب أن هذا التحول لا يقتصر أثره على زيادة عدد الحاويات داخل الميناء، بل يمتد إلى سلسلة من الخدمات المساندة تشمل النقل البري والتخليص الجمركي والمستودعات والوقود والصيانة والعمالة والخدمات اللوجستية.

قفزة في المناولة والسفن

ولا تقتصر الزيادة على تجارة الترانزيت، إذ تكشف مؤشرات شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ عن نمو النشاط في مرافق أخرى ضمن منظومة العقبة.

ويقول المدير العام لشركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ محمود خليفات، للجزيرة نت، إن حجم المناولة الكلية حتى 20 مايو/أيار 2026 بلغ قرابة 4.85 ملايين طن، مقارنة بـ3.58 ملايين طن في الفترة نفسها من العام الماضي، بنمو 35% وزيادة تجاوزت 1.26 مليون طن.

وسجل ميناء النفط والغاز نموا بنسبة 42%، لترتفع المناولة من 1.41 مليون طن إلى أكثر من مليوني طن، بينما ارتفعت مناولة الميناء الرئيسي 34% إلى 2.23 مليون طن.

كما سجلت حركة الصب الجاف نموا بنسبة 42%، مدفوعة بزيادة مناولة عدد من السلع، فيما ارتفعت مناولة البنزين 59% والديزل 38%. وأما عدد السفن التي أنهت عملياتها في موانئ العقبة فارتفع إلى 683 سفينة، مقابل 661 سفينة خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.

ويعزو خليفات الزيادة إلى حزمة من الحوافز الاقتصادية والإجراءات الحكومية الهادفة إلى تعزيز سلاسل التوريد واستمرارية النقل البحري، إلى جانب التنسيق بين الموانئ والجمارك والأجهزة الأمنية ووزارة النقل والمخلصين الجمركيين، وبقية الجهات العاملة ضمن المنظومة اللوجستية.

من الترانزيت إلى إعادة الشحن

وتتعامل منظومة العقبة مع أنواع مختلفة من السفن والبضائع عبر ميناء الحاويات والميناء الرئيسي وميناء النفط والغاز ومحطة الركاب، ما يتيح لها استقبال الحاويات والبضائع السائبة والمشتقات النفطية وغيرها.

وفي النصف الأول من العام، تعامل ميناء الحاويات مع 8 سفن تجاوز حجم المناولة لكل منها 5 آلاف حاوية نمطية، من بينها سفينة بلغت مناولتها 10 آلاف و884 حاوية، وهو أعلى مستوى لسفينة واحدة سجلته المحطة خلال الفترة.

ولم تعد حركة العقبة تقتصر على تفريغ البضائع المتجهة إلى الأردن أو نقلها برا إلى دول الجوار، إذ سجلت المحطة مناولة 4412 حاوية نمطية ضمن نشاط إعادة الشحن من سفينة إلى أخرى خلال النصف الأول من العام، في مؤشر إلى توسع الوظائف التي يؤديها الميناء وسط التحولات في خطوط التجارة.

أين تظهر المكاسب الاقتصادية؟

ولا تتضمن البيانات المتاحة للجزيرة نت رقما موحدا يحدد الإيرادات الإضافية التي حققتها موانئ العقبة مباشرة نتيجة اضطراب هرمز، لكن المسؤولين والخبراء يشيرون إلى أن زيادة الحركة تنعكس على رسوم المناولة والرسو، والخدمات المرتبطة بالسفن والحاويات.

ويقول الخبير في الاقتصاد الدولي خالد الربابعة إن ارتفاع حجم المناولة أسهم في زيادة رسوم الموانئ والرسو، كما انعكس على نشاط أسطول النقل البري الأردني.

ويتجاوز الأثر الاقتصادي النشاط المباشر للميناء، إذ تولد كل حاوية تعبر العقبة باتجاه العراق أو سوريا ولبنان طلبا على الشاحنات والتخليص والتخزين والتزود بالوقود والخدمات الفنية والعمالة.

ولهذا يرى الربابعة أن المكاسب الاقتصادية لا ينبغي قياسها برسوم الميناء وحدها، بل بما تضيفه حركة الترانزيت إلى قطاعات النقل والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.

فرصة قد لا تدوم تلقائيا

ورغم القفزة الحالية، يحذر مختصون من التعامل مع ارتفاع حركة الترانزيت في ميناء العقبة باعتباره مكسبا مضمونا على المدى الطويل، إذ قد تعود البضائع إلى مساراتها التقليدية متى استقرت الملاحة في هرمز.

ويقول المتحدث نفسه إن "نجاح العقبة لا يقاس بمدى استفادتها المؤقتة من اضطراب هرمز، بل بقدرتها على تحويل هذه الحركة إلى مسار تجاري دائم".

وبرأي الخبير الاقتصادي، يتطلب ذلك تسريع إجراءات التخليص، وخفض كلف المناولة والنقل، وتنظيم حركة الشاحنات، وربط الميناء رقميا بالجمارك والحدود، إلى جانب تقديم حوافز تجعل المستورد العراقي وخطوط الملاحة أكثر ميلا إلى مواصلة استخدام العقبة حتى بعد انحسار الأزمة.

وهنا يكمن الاختبار الحقيقي لميناء العقبة، ليس في حجم الحركة التي حولتها إليه اضطرابات هرمز مؤقتا، بل في قدرة المحطة على تثبيت موقعها ضمن مسارات التجارة الإقليمية، وتحويل المكسب الطارئ إلى نشاط لوجستي دائم.


مدار الساعة (الجزيرة نت) ـ