أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

راتبك لا يكفي! أين يذهب دخل الأسرة الأردنية؟


محمد حاتم الروسان

راتبك لا يكفي! أين يذهب دخل الأسرة الأردنية؟

مدار الساعة ـ

ماذا لو لم تكن المشكلة في أن راتبك قليل، بل في أن الحياة أصبحت أكثر كلفة مما يحتمل هذا الراتب؟

سؤال بسيط، لكنه يختصر جانبًا كبيرًا من القلق الاقتصادي الذي يعيشه المواطن الأردني اليوم، راتب يدخل في بداية الشهر، ثم تبدأ رحلة سريعة بين القسط، والإيجار، والطعام، والمواصلات، والفواتير، والتعليم، والالتزامات المختلفة، حتى يجد المواطن نفسه أمام حقيقة صعبة: الشهر لم ينتهِ، لكن الراتب انتهى

وهنا لا بد أن نعيد طرح السؤال الاقتصادي من زاوية مختلفة: أين يذهب دخل الأسرة الأردنية؟ وهل المشكلة فعلًا في مستوى الدخل، أم في ارتفاع كلفة الحياة وتزايد الالتزامات؟

الراتب بين أول الشهر وآخره

لم يعد الراتب بالنسبة للكثير من الأسر مجرد دخل شهري يُنفق منه ويُدخر جزء منه، بل أصبح في أحيان كثيرة وسيلة لتسديد التزامات قائمة مسبقًا

قبل أن يصل الراتب إلى حساب الأسرة، تكون هناك قائمة طويلة من المصاريف بانتظاره؛ أقساط، إيجار، فواتير، مواصلات، احتياجات غذائية، ومصاريف مدرسية أو جامعية، إلى جانب احتياجات لا يمكن التنبؤ بها، وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم يبلغ راتب الأسرة؟ بل: كم يتبقى منه بعد دفع الضروريات؟ ، وهذه النقطة تحديدًا هي جوهر القوة الشرائية؛ فالراتب لا تُقاس قيمته برقم مكتوب على قسيمة الراتب فقط، وإنما بقدرته على تلبية احتياجات الأسرة

المواطن لا يشتري سلعة واحدة.. بل يواجه ارتفاعًا متراكمًا

قد تبدو الزيادة في سعر سلعة معينة محدودة، لكن المشكلة تظهر عندما تتكرر الزيادات في عشرات البنود التي تحتاجها الأسرة بصورة يومية أو شهرية (الغذاء، النقل، السكن، الاتصالات، التعليم، الخدمات، والصيانة وغيرها) كل بند بمفرده قد لا يبدو كارثيًا، لكن مجموع هذه البنود يرسم في نهاية الشهر صورة مختلفة تمامًا،ولهذا فإن المواطن لا ينظر إلى التضخم باعتباره رقمًا اقتصاديًا يُعلن في نشرة رسمية، بل يراه في فاتورة التسوق، وفي كلفة التنقل، وفي فاتورة الخدمات، وفي المبلغ الذي يخرج من جيبه عند كل عملية شراء

الأسرة الأردنية أمام معادلة صعبة

المعادلة أصبحت واضحة: دخل محدود أو ثابت + التزامات متزايدة + ارتفاع في بعض تكاليف المعيشة = مساحة أقل للادخار والاستقرار، وعندما تختفي القدرة على الادخار، تصبح الأسرة أكثر هشاشة أمام أي طارئ (عطل في السيارة، حاجة صحية، مصروف جامعي، التزام عائلي أو حتى فاتورة غير متوقعة، يمكن أن يدفع الأسرة إلى الاقتراض أو استخدام بطاقات الائتمان أو تأجيل التزامات أخرى) وهنا تتحول المشكلة من مجرد “إدارة راتب” إلى مشكلة في الأمن المالي للأسرة

الأقساط..... (الراتب الذي يصل محجوزًا)

لا يمكن الحديث عن اقتصاد الأسرة دون التوقف عند ثقافة التقسيط

فالقسط قد يكون وسيلة للحصول على منزل أو سيارة أو خدمة يحتاجها المواطن، لكنه في الوقت ذاته يعني أن جزءًا من دخله المستقبلي قد تم إنفاقه مسبقًا، ومع تراكم الأقساط، تقل قدرة الأسرة على التعامل مع أي تغير مفاجئ في الدخل أو الأسعار، والأخطر أن بعض الأسر قد تجد نفسها أمام دائرة متكررة: اقتراض لتغطية احتياج، ثم قسط جديد، ثم ضغط على الدخل، ثم اقتراض آخر ، وهكذا يصبح جزء من دخل المستقبل مستهلكًا في الحاضر

هل رفع الرواتب هو الحل؟

بالتأكيد، تحسين الدخول ورفع الأجور بما يتناسب مع الإنتاجية وتكاليف المعيشة هدف اقتصادي واجتماعي مهم، لكن رفع الدخل وحده لا يكفي، فالسياسة الاقتصادية تحتاج إلى العمل على طرفي المعادلة في الوقت ذاته: زيادة قدرة المواطن على الكسب، وضمان أن لا تلتهم كلفة الحياة الزيادة في دخله، وهذا يتطلب دعم المنافسة في الأسواق، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتوفير فرص عمل ذات قيمة مضافة، وتحسين بيئة الاستثمار، إلى جانب سياسات تحمي الفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع تكاليف المعيشة

الاقتصاد الذي لا يشعر به المواطن

قد تكون هناك مؤشرات اقتصادية إيجابية، وقد تتحسن بعض الأرقام، لكن المواطن سيظل يسأل سؤالًا مشروعًا: متى سأشعر أنا بهذا التحسن؟ وهذا السؤال لا ينبغي التعامل معه باعتباره تشاؤمًا أو رفضًا للسياسات الاقتصادية، على العكس، إنه السؤال الذي يجب أن يكون في قلب أي سياسة اقتصادية ، فالنمو الاقتصادي في النهاية ليس هدفًا رقميًا بحد ذاته، وإنما وسيلة لتحسين حياة الناس، وخلق فرص عمل، وزيادة الدخول، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي

من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد المواطن

ربما آن الأوان لأن يتوسع النقاش الاقتصادي في الأردن من الحديث عن الموازنة العامة والدين العام والنمو والاستثمار إلى الحديث أيضًا عن اقتصاد الأسرة الأردنية

كم تنفق الأسرة على السكن؟ /// كم تذهب من دخولها إلى الغذاء والنقل والتعليم؟ /// كم تستطيع أن تدخر؟ /// كم تبلغ نسبة دخلها التي تذهب إلى الأقساط؟ /// وكم يتبقى لديها لمواجهة الطوارئ؟ /// هذه الأسئلة ليست تفاصيل هامشية، بل مؤشرات مهمة على صحة الاقتصاد من منظور المواطن

المواطن يريد أن يعيش.. لا أن يحسب فقط

المواطن لا يطلب بالضرورة حياة بلا أعباء، ولا اقتصادًا بلا تحديات لكنه يريد أن يشعر أن عمله ودخله يمنحانه قدرة حقيقية على بناء حياة مستقرة، وأن يستطيع أن يلبي احتياجات أسرته، وأن يدخر جزءًا من دخله، وأن يخطط لتعليم أبنائه ومستقبلهم، وأن يواجه ظرفًا طارئًا دون أن تهتز ميزانية أسرته بالكامل

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: “لماذا لا يكفي راتب المواطن؟”

بل السؤال الأكثر دقة: “لماذا أصبحت كلفة الحياة تستهلك هذا القدر الكبير من راتبه؟”

بين السؤالين فرق كبير

فالأول يحمل المواطن وحده مسؤولية المشكلة، أما الثاني فيفتح الباب أمام نقاش اقتصادي أوسع حول الأجور، والأسعار، والسكن، والنقل، والضرائب والرسوم، والائتمان، والإنتاجية، وفرص العمل، وجودة الخدمات

وعندما يصبح الهدف هو أن ينتهي الشهر ويبقى جزء من الراتب، لا أن ينتهي الراتب قبل الشهر، نكون قد بدأنا فعلًا بالحديث عن اقتصاد يشعر به المواطن في حياته اليومية، لا اقتصاد يقرأه فقط في التقارير وهذا ما كنت قد اشرت اليه في المقال السابق .

مدار الساعة ـ