هناك قراءة ناقصة للحرب الأميركية–الإيرانية تبدأ من قدرة واشنطن على إسقاط النظام، وتنتهي بقدرة طهران على الصمود. ومع ذلك يمكن أن تخرج الجمهورية الإسلامية بخسارة أعمق من منشأة أو منظومة دفاعية: أن تتراجع القيمة السياسية للأدوات التي منحتها طوال أربعة عقود وزناً إقليمياً يفوق إمكاناتها الفعلية.
القوة الإيرانية لم تكن انعكاساً مباشراً لحجم اقتصادها أو لتفوق عسكري تقليدي. قامت المعادلة على تحويل الجغرافيا، وشبكات الحلفاء، والصواريخ، والقدرة على التعطيل إلى أوراق تجعل تجاوز طهران مكلفاً. لم يكن ضرورياً أن تكون أقوى من خصومها؛ كان يكفي أن تستطيع إدخال نفسها في حساباتهم ورفع ثمن القرارات التي تتعارض مع مصالحها.الحرب الحالية تختبر صلاحية هذه المعادلة، وهنا يدخل الأردن في المشهد ليس باعتباره طرفاً في الحرب وإنما بوصفه إحدى الدول التي قد تستفيد من بعض آثارها غير المقصودة. فكلما ارتفعت مخاطر المرور عبر مساحات معرضة للتعطيل زادت قيمة الطرق والمنافذ الأكثر استقراراً. وهذا قد يمنح الموقع الأردني وظيفة تتجاوز الجغرافيا نفسها إذا استطاعت المملكة تحويل موقعها إلى ممر ثابت للتجارة والعبور في المنطقة.مضيق هرمز يقدم المثال الأوضح. لعقود، استمدت إيران جزءاً مهماً من قوتها من احتمال تعطيله أكثر من تعطيله فعلياً. الحرب وضعت هذه الورقة أمام اختبار مختلف، فيما تشير حركة تجارة الطاقة خلال الأزمة إلى توسع البحث عن مصادر ومسارات أخرى. كلما استخدمت إيران موقعها الجغرافي لرفع كلفة الصراع على الآخرين، منحتهم سبباً اقتصادياً أقوى للاستثمار في تقليل تعرضهم لهذه الكلفة مستقبلاً. وإذا استمرت التحولات التي دفعت إليها الأزمة بعدها، فقد تفقد هذه الورقة جانباً من قيمتها السياسية.وقد تمتد آثار الحرب إلى موازين السلطة داخل إيران. فعندما تصبح الأولوية هي البقاء وإدارة المواجهة، تميل المؤسسات المسؤولة عن إدارة الخطر والموارد إلى اكتساب وزن أكبر. وإذا انتقلت ملفات أوسع إلى منطق الحرب، فقد تتسع قدرة المؤسسات المرتبطة بالمواجهة على تعريف التهديد وتحديد كيفية التعامل معه والثمن المقبول لأي تسوية. وهنا لا يعود الأمر متعلقاً فقط بإمكان تقديم طهران تنازلاً، وإنما بمن أصبح داخل النظام يملك القدرة على تعريف التنازل نفسه. لذلك فإن إضعاف إيران اقتصادياً لا يضمن بالضرورة جعلها أكثر مرونة سياسياً فقد يحدث العكس إذا أصبحت بنية القرار أكثر تحفظاً تحت ضغط الحرب.والحرب تستنزف أصلاً آخر غير مرئي: الغموض. قبل المواجهة لم يكن معروفاً بدقة مقدار ما تستطيع البنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية تحمله، أو سرعة تعويض خسائرها، أو حدود المساندة التي يمكن أن تحصل عليها في حرب مفتوحة. ومع استمرار العمليات، يمكن للخصوم تكوين تقديرات أفضل عن قدرة الدولة على الاحتمال وفاعلية بعض أدواتها وسرعة استعادة قدراتها. وجزء من الردع الإيراني كان قائماً على صعوبة تقدير الثمن مسبقاً لذلك قد تؤدي الحرب تدريجياً إلى تقليص مساحة المجهول التي كانت تحيط بهذه القدرات.أما بالنسبة للأردن، فقد يكون الأثر الأهم في الاقتصاد السياسي للحرب. اضطراب بعض طرق التجارة العراقية دفع إلى البحث عن مسارات أخرى، وتشير بيانات وتقارير مرتبطة بميناء العقبة إلى ارتفاع في نشاط الترانزيت خلال النصف الأول من 2026، مع مساهمة البضائع المتجهة إلى العراق في هذه الحركة. ولا يعني ذلك تحول العقبة إلى منفذ دائم، لكنه يكشف إمكانية يمكن البناء عليها: أن ينتقل الطريق عبر الأردن من حل ظرفي أثناء الأزمة إلى مسار له مكان ثابت في التجارة العراقية.إذا استمر استخدام هذا الطريق، فقد تنشأ حوله تدريجياً مصالح في النقل والتخزين والتجارة والخدمات اللوجستية، بما يمنح العلاقة الأردنية–العراقية بعداً اقتصادياً أعمق من الاستجابة المؤقتة للحرب. وهنا قد يؤثر الأردن في البيئة التي تمارس فيها إيران حضورها داخل العراق ليس بمواجهة طهران وإنما بمنح بغداد هامش حركة أوسع.وهذا مهم لأن جانباً من قوة إيران في محيطها استفاد تاريخياً من محدودية هامش الحركة لدى بعض الدول القريبة منها. توسيع الروابط التجارية والاقتصادية لا يلغي الدور الإيراني، لكنه قد يجعل العلاقات الإقليمية أقل اعتماداً على مركز واحد. ومن هذه الزاوية تكتسب العلاقة الأردنية–العراقية أهميتها المحتملة لأنها تضيف إلى حسابات بغداد مصالح لا تمر بطهران.الأردن لا ينافس إيران في أدواتها ولا يحتاج إلى ذلك. القيمة الممكنة للموقع الأردني تأتي من وظيفة مختلفة: توفير الاستقرار والربط والعبور في وقت ترتفع فيه كلفة الاضطراب في أجزاء أخرى من المنطقة. وإذا نجحت المملكة في تثبيت هذه الوظيفة اقتصادياً ولوجستياً فقد تتحول ميزة الموقع إلى مصالح أكثر ديمومة مع العراق وغيره.وهنا تكمن مفارقة الحرب الأعمق. استخدام إيران أدواتها لإثبات كلفة تجاوزها قد يدفع الحكومات والشركات إلى إعادة ترتيب طرق تجارتها واستثماراتها وعلاقاتها الاقتصادية. وإذا بقي جزء من هذا الترتيب بعد انتهاء المواجهة، فإن الأثر الحقيقي للحرب لن يكون فقط فيما أصاب إيران خلالها، بل فيما تغيّر حولها بسببها.ولهذا تقع الحصيلة الأثقل للحرب خارج مقاييس النصر والهزيمة التقليدية واستمرار النظام واحتفاظ طهران بترسانتها وقدرتها على الإيذاء لا يعيدان موقعها تلقائياً إلى ما كان عليه. وبالنسبة للأردن، فإن قيمة هذه اللحظة تكمن في تحويل الاستقرار والموقع والعلاقة مع العراق ودول الجوار إلى مصالح تتجاوز فترة الحرب. الخسارة الأثقل لإيران تبدأ عندما تبقى أدوات الضغط في يدها لكن يصبح المحيط الذي تستخدم فيه هذه الأدوات أقل خضوعاً لها وهنا تتأتى قيمة الأردن ليس في مواجهة إيران، بل في أن يصبح أكثر أهمية اقتصادياً في الإقليم الذي تعيد الحرب ترتيب حساباته.إيران تخسر ما هو أخطر من الحرب
مدار الساعة ـ