أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

ما لم يكتبه أحد في زيارة الملك إلى الصين


د. نضال المجالي

ما لم يكتبه أحد في زيارة الملك إلى الصين

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

ليست كل الزيارات الملكية مجرد محطات في جدول السياسة الخارجية؛ بعضها يأتي في لحظة يكون فيها السؤال أكبر من الزيارة نفسها: أين يريد الأردن أن يكون عندما يتغير شكل العالم؟

ومن هنا، فإن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين لا ينبغي أن تُقرأ فقط من زاوية الاتفاقيات والاستثمارات والتجارة، وإنما بوصفها جزءاً من قراءة أردنية مبكرة للتحولات الدولية، فالصين لم تعد مجرد قوة اقتصادية أو سوق تجارية، بل أصبحت إحدى القوى التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا، كما يتزايد حضورها السياسي في الشرق الأوسط.

ما لم يُكتب بما يكفي هو أن الأردن لم يكن يبحث في الصين عن سوق جديدة فقط، بل عن موقع له في النظام الدولي الجديد، وهذه نقطة مختلفة تماماً.

فالسؤال المعتاد هو: ماذا يمكن أن تأخذ عمّان من بكين؟ بينما السؤال الأهم: ماذا يمكن أن يصبح الأردن بالنسبة إلى بكين؟

الأردن ليس سوقاً ضخماً ولا دولة غنية بالموارد الطبيعية، لكنه يمتلك عناصر أخرى ذات قيمة إستراتيجية: الموقع، والاستقرار، والعلاقات العربية والدولية، والقدرة على التواصل مع أسواق متعددة، ودوراً سياسياً يتجاوز حجمه الجغرافي والاقتصادي، وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة الأردنية في علاقته مع الصين.

رأس المال الأردني الحقيقي في هذه العلاقة ليس رأس المال المالي، وإنما رأس المال الجيوسياسي، فالأردن يستطيع أن يكون حلقة وصل بين الصين والمنطقة العربية، لا مجرد مستورد للمنتجات الصينية، وقد اكتسبت هذه الرؤية أهمية خاصة عندما ارتقت العلاقات الأردنية الصينية إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية عام 2015، وهي خطوة عكست طبيعة العلاقة التي تتجاوز التجارة إلى التعاون السياسي والاقتصادي والإستراتيجي، ومن هنا تأتي أهمية الموقع الأردني.

فالعقبة مثلا هي اساس يجب التسويق له فهي ليست ميناءً فقط؛ ويمكن أن تصبح منصة للتصنيع والتجميع والتخزين وإعادة التصدير، وربط سلاسل الإمداد الصينية بالأسواق العربية، والأردن، بما لديه من اتفاقيات تجارية وموقع يصل الخليج والعراق وبلاد الشام، يستطيع أن يقدم للصين ما هو أكبر من حجم سوقه المحلي.

المطلوب، إذاً، ألا تكون العلاقة قائمة على معادلة: ماذا نستورد من الصين؟ بل على سؤال مختلف: ماذا يمكن أن ننتج مع الصين في الأردن؟ وهنا تظهر الفرصة الحقيقية.

فالمطلوب ليس فقط جذب رأس المال الصيني، وإنما جذب التكنولوجيا والخبرة وسلاسل الإنتاج، والاستثمار الأكثر أهمية ليس الذي يبني مصنعاً وينتهي عنده الأثر، وإنما الذي يترك وراءه مهارات أردنية، وشركات قادرة على المنافسة، ومراكز بحث، وخبرات تقنية تنتقل إلى الشباب.

ولا ينبغي أن يُنظر إلى التعليم والتكنولوجيا باعتبارهما ملفين ثانويين في هذه العلاقة، فالأردن يحتاج إلى الاستفادة من التجربة الصينية في الطاقة والمياه والنقل والصناعة والمدن الذكية والذكاء الاصطناعي، بحيث يصبح التعاون وسيلة لنقل المعرفة، لا مجرد شراء التكنولوجيا.

أما سياسياً، فإن انفتاح الأردن على الصين لا يعني الابتعاد عن حلفائه التقليديين، بل توسيع دائرة خياراته، فالدول المتوسطة والصغيرة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من المساحات للحركة، خصوصاً في عالم يتجه نحو تعدد أكبر في مراكز القوة، والأردن، بحكم موقعه ودوره، يستطيع أن يحافظ على علاقاته المتوازنة مع القوى الدولية، وأن يستفيد من علاقته مع بكين في ملفات المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والاستقرار الإقليمي، ولهذا فإن قيمة الزيارة لا تقاس بعدد الاتفاقيات التي تُوقع، وإنما بما تتحول إليه هذه الاتفاقيات بعد ذلك.

الاتفاقية بداية وليست نتيجة، والاستثمار بداية وليس نتيجة، النتيجة الحقيقية هي أن تتحول الشراكة إلى مصانع وشركات ومراكز أبحاث وجامعات وتكنولوجيا، وأن تتوسع الصادرات الأردنية، وأن تصبح العقبة جزءاً أكثر فاعلية من حركة التجارة الإقليمية، وأن يحصل الشباب الأردني على المعرفة والمهارات التي تمكنهم من المشاركة في الاقتصاد الجديد.

وهنا يجب النظر إلى الزيارة باعتبارها محطة في مسار طويل، لا حدثاً منفصلاً، فالعلاقات الدبلوماسية الأردنية الصينية بدأت عام 1977، وتطورت تدريجياً إلى أن وصلت إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، ثم واصلت التوسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتجارة والتعليم والتكنولوجيا، لذلك، فإن القراءة الأبعد لزيارة جلالة الملك إلى الصين ليست أنها زيارة بحثاً عن استثمار صيني، إنها زيارة دولة ذات إمكانات محدودة إلى دولة كبرى، لكنها في الوقت نفسه محاولة لإعادة تعريف القيمة الأردنية في عالم يتغير.

فالأردن لا يملك سوقاً ضخماً يفرض نفسه، ولا ثروة نفطية تجعل الآخرين يبحثون عنه، لكنه يملك الموقع، والاستقرار، والإنسان، والدور السياسي، وشبكة العلاقات وفوق كل ذلك قيادة هي الأبرز حضورا في المنطقة. وإذا نجح في تحويل هذه العناصر إلى قيمة اقتصادية وإستراتيجية، فإن الصين لن تكون مجرد شريك يستثمر في الأردن، بل شريك يرى في الأردن قيمة حقيقية ضمن حركة الاقتصاد والسياسة في المنطقة، وهنا تكمن، في تقديري، الفكرة التي لم تأخذ حقها من الكتابة عن زيارة الملك إلى الصين: فالزيارة لم تكن فقط محاولة أردنية للوصول إلى الصين؛ كانت محاولة لإقناع الصين بأن للأردن مكاناً مهماً في الطريق الذي ستسلكه المنطقة والعالم.

فالأردن لا يحتاج إلى أن يصبح كبيراً حتى يكون مؤثراً؛ أحياناً يكفي أن يعرف كيف يجعل من موقعه الصغير قيمة كبيرة.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ