أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين يتحدث سمير الحباشنة... لماذا يجب أن نصغي؟


أ.د. محمد تركي بني سلامة

حين يتحدث سمير الحباشنة... لماذا يجب أن نصغي؟

مدار الساعة ـ

خلال الأشهر الماضية، تابعت باهتمام كبير معظم تصريحات ومداخلات معالي المهندس سمير الحباشنة، سواء تلك التي تناولت الشأن الوطني الداخلي، أو التي قاربت التحولات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الأردن. وكلما استمعت إليه، ازددت قناعة بأننا أمام صوت سياسي يستحق أن يُسمع، وعقل وطني يمتلك من الخبرة والقدرة على قراءة المشهد ما يجعل الإصغاء إليه ضرورة تتجاوز المجاملة الشخصية إلى المصلحة الوطنية.

سمير الحباشنة ليس وافدًا جديدًا على العمل العام، ولا يتحدث من موقع المراقب البعيد عن تعقيدات الدولة ومؤسساتها. فهو ابن تجربة سياسية وإدارية طويلة، راكم خلالها معرفة عميقة بطبيعة المجتمع الأردني، وبنية الدولة، وتحديات الإدارة، وتحولات الإقليم. ولذلك فإن ما يطرحه لا يبدو مجرد انطباعات عابرة أو مواقف مرتبطة بلحظة سياسية، وإنما أفكار تستند إلى تجربة ومعرفة وقراءة متأنية لما يجري داخل الأردن وحوله.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في خطاب الحباشنة أنه يتحدث بوضوح، ويذهب إلى جوهر القضايا بدل الدوران حولها. وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تصبح الدولة في حاجة إلى الأصوات التي لا تكتفي بوصف المشكلات، وإنما تحاول فهم جذورها واستشراف تداعياتها واقتراح مسارات واقعية للتعامل معها.

الأردن اليوم يعيش في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية اضطرابًا وتعقيدًا. الحروب والأزمات تحيط بنا، والتحولات في موازين القوى تتسارع، فيما تواجه الدولة في الداخل تحديات اقتصادية واجتماعية وتنموية لا يمكن التعامل معها بالأدوات التقليدية وحدها. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الخبرة السياسية المتراكمة ثروة وطنية، ويصبح من غير الحكمة أن نضع أصحاب التجربة خارج دائرة التفكير والاستشارة وصناعة البدائل.

الدول الناجحة لا تبدأ في كل مرحلة من الصفر، ولا تهدر ذاكرة رجالها وخبراتهم بمجرد مغادرتهم مواقع المسؤولية. بل تبني جسورًا بين الأجيال، وتستفيد من أصحاب الخبرة، وتفتح المجال أمام الرأي المختلف والنصيحة الصادقة. فالوطن أكبر من الحكومات، والدولة أوسع من المناصب، وخدمة المصلحة العامة لا تنتهي بانتهاء الموقع الرسمي.

ما يقوله سمير الحباشنة في كثير من القضايا يستحق أن يُقرأ بعيدًا عن الحسابات الشخصية والتصنيفات المسبقة. قد نتفق معه في بعض الآراء ونختلف معه في أخرى، وهذا أمر طبيعي، لكن قيمة الرجل تكمن في أنه يضع أمامنا رؤية قابلة للنقاش، ويثير أسئلة ينبغي ألا نهرب منها، ويقدم خلاصة تجربة سياسية وإدارية لا يجوز التفريط بها.

إنني أعتقد أن الاستماع إلى صوت وفكر سمير الحباشنة، وإلى غيره من الشخصيات الوطنية صاحبة التجربة والرؤية، ليس ترفًا سياسيًا ولا تكريمًا لأشخاص، بل هو مصلحة وطنية عليا. فالأردن في هذه المرحلة يحتاج إلى توسيع دائرة العقل الوطني، واستدعاء الخبرة والكفاءة، وإتاحة المجال أمام الأفكار الجادة مهما كان مصدرها.

رسالتي ببساطة: استمعوا إلى سمير الحباشنة. ليس لأن الرجل يمتلك الحقيقة المطلقة، فلا أحد يمتلكها، ولكن لأن لديه تجربة ورؤية وجرأة تستحق أن تكون جزءًا من الحوار الوطني وصناعة القرار.

وفي زمن التحديات الكبرى، قد تكون أخطر خسارة أن تكون لدينا العقول والخبرات القادرة على الإسهام، ثم نختار ألا نصغي إليها.

آمل أن تصل الرسالة.

مدار الساعة ـ