أعادَت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى بكين هذا الأسبوع، وهي الأولى منذ أكثر من عقد، طرح تساؤلات حول موقع الأردن بين شراكته التقليدية مع واشنطن وانفتاحه المتزايد على الصين. غير أن قراءة الزيارة باعتبارها تحولاً استراتيجياً بعيداً عن الولايات المتحدة تبدو أقرب إلى التفسير المتسرع منها إلى الواقع.
بالنسبة إلى عمّان، الحسابات أكثر عملية وإلحاحاً: البحث عن مقومات الصمود الاقتصادي.فالزيارة، وهي التاسعة لجلالة الملك إلى الصين منذ توليه العرش عام 1999، جاءت بعد انقطاع دام 11 عاماً. وقد يلفت طول هذه الفترة الانتباه، لكن السؤال الأهم هو: لماذا اختارت عمّان إعادة تنشيط علاقتها مع بكين الآن، في وقت تفرض فيه الصراعات الإقليمية ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد الأردني؟الإجابة لا تكمن في رغبة الأردن في استبدال شريك دولي بآخر، بل في سعيه إلى فتح مصادر إضافية للاستثمار والتكنولوجيا والصناعة والسياحة، مع الإبقاء على علاقته الأمنية الراسخة مع الولايات المتحدة.الصين كنافذة للنموتكشف العلاقات الاقتصادية الأردنية الصينية حجم الفرصة، كما تكشف في الوقت ذاته اختلال ميزان التبادل بين البلدين.فقد بلغت الصادرات الصينية إلى الأردن نحو 6.29 مليارات دولار العام الماضي، في حين لم تتجاوز الصادرات الأردنية إلى الصين نحو 430 مليون دولار. وهذه الأرقام تعكس علاقة تجارية غير متكافئة إلى حد كبير، أكثر مما تعكس شراكة اقتصادية متوازنة.ومع ذلك، ترى عمّان أن هناك مساحة واسعة لإعادة تشكيل هذه العلاقة.وخلال زيارته، اطّلع جلالة الملك عبدالله الثاني في شنغهاي على شركة AgiBot الصينية المتخصصة في صناعة الروبوتات، كما التقى عدداً من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات صينية كبرى. وكانت الرسالة واضحة: الأردن يريد من الشركات الصينية أن تنظر إلى المملكة بما يتجاوز كونها سوقاً للسلع، وأن تتعامل معها باعتبارها منصة محتملة للتصنيع والتكنولوجيا والنشاط التجاري الإقليمي.كما يسعى الأردن إلى تقديم نفسه كمركز لصناعة الأفلام والتكنولوجيا يخدم الأسواق الآسيوية، إلى جانب العمل على استقطاب أعداد أكبر من السياح الصينيين.وهنا تبرز فرصة أخرى قد تكون أكثر تميزاً للأردن من كثير من منافسيه الإقليميين.فالصين تضم أكثر من 60 مليون مسيحي وفق التقديرات الواردة في هذا السياق، بينما يمتلك الأردن مواقع دينية ذات ارتباط مباشر بالتقاليد المسيحية، وفي مقدمتها موقع المغطس، المرتبط تقليدياً بمعمودية السيد المسيح. ومن شأن استراتيجية مستدامة لاستقطاب الحجاج المسيحيين الصينيين أن تفتح سوقاً سياحية متخصصة، في وقت باتت فيه الاضطرابات الإقليمية تضغط على السياحة التقليدية.معضلة التصنيعلكن محاولة الأردن جذب المزيد من الاستثمارات الصناعية الصينية تحمل في داخلها تعقيداً مهماً: جزء كبير من هذا النشاط يعتمد في نهاية المطاف على الوصول إلى السوق الأمريكية.وتقدم صناعة الألبسة الأردنية مثالاً واضحاً على ذلك.فقد نشأ جزء كبير من هذا القطاع على أيدي شركات آسيوية، بينها شركات صينية، تعمل في المناطق الحرة الأردنية. وتستورد هذه الشركات الأقمشة والمدخلات الأخرى من الصين، ثم تقوم بتجميع الملابس في الأردن وتصدير المنتجات النهائية إلى الولايات المتحدة مستفيدة من ترتيبات تجارية تفضيلية.وقد ساهم هذا النموذج في تحويل قطاع الألبسة إلى مصدر مهم للصادرات وفرص العمل في الأردن.لكن واشنطن تعمل الآن على تشديد قواعدها التجارية.فبموجب اتفاق التجارة الأردني الأمريكي الجديد الموقع في 21 تموز الماضي، انخفضت الرسوم الأمريكية على السلع الأردنية من 20 % إلى 10 %، لكن خفض الرسوم جاء مصحوباً بمتطلبات أكثر صرامة. ويتعين على المنتجين الأردنيين إثبات أن السلع المصنّعة في مناطق مثل إربد والزرقاء هي منتجات أردنية بالفعل، وليست مجرد منتجات تحتوي على مدخلات صينية جرى إعادة تصنيفها أو إخضاعها لعمليات تصنيع محدودة.أما الشركات التي تعجز عن توثيق سلاسل التوريد الخاصة بها، فقد تواجه مجدداً رسوماً تصل إلى 20 %.وهنا تظهر المفارقة بوضوح.فالأردن يحاول جذب المزيد من الاستثمارات الصينية والمدخلات الصناعية الصينية في الوقت الذي أصبحت فيه واشنطن أكثر حساسية تجاه المحتوى الصيني في المنتجات المتجهة إلى السوق الأمريكية.وسيكون التحدي أمام عمّان هو تحقيق المعادلة الصعبة: جذب رأس المال والخبرة الصينية من دون المساس بالنفاذ إلى أحد أهم أسواق التصدير الأردنية، وهو السوق الأمريكي.ماذا تريد الصين من الأردن؟في المقابل، ينبغي النظر إلى الاهتمام الصيني بالأردن بواقعية.فبكين لا تستثمر في المملكة لمجرد طبيعة العلاقة الثنائية مع عمّان، بل تتحرك في إطار مصالحها الأوسع في الشرق الأوسط.فالصين تسعى في الوقت نفسه إلى تقديم نفسها بوصفها طرفاً يدعو إلى الاستقرار في منطقة مضيق هرمز. وفي إطار هذه الرؤية الأوسع، يمثل الأردن المستقر والمتعاون حضوراً مفيداً للصين في بلاد الشام.لكن حجم الالتزام الصيني في الأردن لا يزال متواضعاً مقارنة بما استثمرته بكين في دول أخرى في المنطقة.فقد تجاوزت الاستثمارات الصينية في العراق 12 مليار دولار منذ عام 2010، مقابل نحو 3.56 مليارات دولار في الأردن. والأكثر دلالة أن نحو 89 في المئة من الاستثمارات الصينية في الأردن تتركز في قطاع الطاقة.وهذه الفجوة مهمة.فهي تشير إلى أن الصين لا تسعى، في هذه المرحلة، إلى بناء نفوذ اقتصادي طاغٍ داخل الأردن. والأرجح أن بكين تعمل على تطوير حسن النوايا والحفاظ على علاقة مفيدة بكلفة محدودة نسبياً.لكن بالنسبة إلى عمّان، حتى الانخراط الصيني المحدود يمكن أن يكون ذا قيمة إذا أسهم في توفير الاستثمار والتكنولوجيا وفتح فرص تجارية جديدة.على واشنطن ألا تسيء قراءة الزيارةتوقيت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى بكين مهم بصورة خاصة بالنسبة إلى واشنطن.ففي 4 آب الحالي، وقّع الأردن اتفاقية منفصلة مع الولايات المتحدة تمتد لأربع سنوات وتبلغ قيمتها نحو 354.6 مليون دولار. وجاء توقيع الاتفاقية قبل أسبوعين فقط من زيارة جلالة الملك إلى الصين.ومن الصعب اعتبار هذا التسلسل مؤشراً على دولة تستعد للتخلي عن تحالفها الأمريكي.فالأردن لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في المساعدات الأمنية والتعاون العسكري والدعم المالي، وتبقى العلاقة الأمنية الأمريكية عنصراً مركزياً في الحسابات الاستراتيجية للمملكة.لكن البعد الاقتصادي في العلاقة آخذ في التغير.فجزء كبير من الدعم الأمريكي يأتي في صورة مساعدات للموازنة ودعم عسكري، وهي أشكال مساعدة تظل مهمة، خصوصاً في ظل البيئة الأمنية التي يعمل فيها الأردن، لكنها لا تعالج بالضرورة جميع الاحتياجات الاقتصادية التي تواجه المملكة.الصين تقدم شيئاً مختلفاً: فرصاً في التصنيع والتكنولوجيا والروبوتات والاستثمار والسياحة.وهذا لا يجعل بكين بديلاً عن واشنطن، بل يجعلها خياراً اقتصادياً إضافياً.الصراع الإقليمي يدفع نحو تنويع البدائللا يمكن فصل الحسابات الاقتصادية الأردنية عن البيئة الأمنية الإقليمية المتدهورة.ففي 17 تموز، أصاب صاروخ باليستي إيراني قاعدة موفق السلطي الجوية، ما أدى إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكيين على الأراضي الأردنية. وكانت الصواريخ الإيرانية قد عبرت المجال الجوي الأردني بصورة متكررة خلال العام، إلا أن تلك الحادثة شكلت المرة الأولى التي يؤدي فيها صاروخ إيراني إلى مقتل أفراد أمريكيين داخل الأردن.لكن تداعيات الصراع بالنسبة إلى الأردن لا تتوقف عند الجانب الأمني.فالسياحة عنصر أساسي في الاقتصاد الوطني، ويمكن للصراعات الإقليمية الممتدة أن تضرب سريعاً أعداد الزوار وثقة المستثمرين والنشاط الاقتصادي.والدولة التي تواجه أصلاً قيوداً اقتصادية لا تستطيع أن تتحمل الاعتماد على مصدر واحد للدخل الخارجي أو الاستثمار.وهنا تحديداً تكتسب الصين أهميتها.فالعلاقة مع بكين تمنح الأردن إمكانية تنويع شراكاته الاقتصادية في وقت أصبحت فيه مصادر النمو التقليدية أكثر عرضة للاضطراب نتيجة عدم الاستقرار الإقليمي.ليست مفاضلة بين واشنطن وبكينربما تكون النقطة الأهم أن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين لا ينبغي اختزالها في اختبار للولاء الأردني.الأردن لا يختار بين واشنطن وبكين.بل يتبع استراتيجية عرفتْها الدول التي تواجه ضغوطاً اقتصادية عبر أجيال: الحفاظ على التحالفات الأساسية، مع البحث في الوقت نفسه عن شركاء وأسواق ومصادر إضافية للاستثمار.العلاقة الأمريكية تظل لا غنى عنها لأمن الأردن، في حين تتيح العلاقة مع الصين فرصاً في مجالات ترى عمّان أنها تحتاج فيها إلى مزيد من الاستثمار والنشاط التجاري.ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تطرحه واشنطن ليس ما إذا كان الأردن لا يزال يقدّر تحالفه مع الولايات المتحدة. فالجواب واضح: نعم.السؤال الأهم هو ما إذا كانت السياسة الاقتصادية الأمريكية تواكب الاحتياجات المتغيرة للأردن.فإذا كانت واشنطن تريد من الأردن أن يبني صناعات جديدة، ويستقطب الاستثمارات الأجنبية، ويوسع قاعدة صادراته، فعليها أن تنظر أيضاً في ما إذا كانت قواعدها التجارية قد تقيد، بصورة غير مقصودة، النشاط الصناعي المرتبط بالصين الذي تحاول المملكة تطويره.أما بالنسبة إلى عمّان، فالمعادلة تبدو واضحة.الأمن يبقى مرتكزاً إلى الغرب، وبصورة خاصة عبر العلاقة التاريخية والراسخة مع واشنطن. أما الفرص الاقتصادية، فيجري البحث عنها حيثما أمكن العثور عليها.لذلك، فإن انفتاح الأردن على الصين لا يتعلق بتغيير المعسكر بقدر ما يتعلق بتوسيع هامش المناورة.وفي شرق أوسط أكثر اضطراباً وأقل قابلية للتنبؤ، قد لا يكون ذلك تحولاً استراتيجياً على الإطلاق.قد يكون ببساطة اقتصاد البقاء.انفتاح الأردن على الصين: اقتصاد البقاء لا التحول الاستراتيجي
مدار الساعة ـ