أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هنيئًا لمن ملك أذنًا موسيقية


الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق

هنيئًا لمن ملك أذنًا موسيقية

الدكتور زياد أبو لبن
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ

هنيئًا لمن ملك أذنًا موسيقية، تلك الهبة الجميلة التي لا تُمنح لكل إنسان، والتي تجعل صاحبها قادرًا على أن يميّز بين النغم الصافي والضجيج، وبين الكلمة الراقية والعبارة المبتذلة، وبين الفن الذي يسمو بالروح والفن الذي يهبط بها إلى درك الابتذال. فالأذن الموسيقية ليست مجرد قدرة على سماع الأصوات، وإنما هي حسّ مرهف، وذائقة تتكوّن عبر الزمن، وتُصقل بالمعرفة والتجربة والملازمة الطويلة للجمال.

فالإنسان لا يولد دائمًا بذوق مكتمل، وإنما يكتسبه كما يكتسب اللغة والخبرة والحكمة. ومن يدرّب أذنه على سماع الجميل، ويعوّد روحه على الإيقاع المتزن، ويصاحب الأعمال الفنية الرفيعة، يصبح من العسير عليه أن يقبل ما هو رديء أو أن يجد متعة في نشاز الأصوات واضطراب الألحان. إن الذائقة الراقية تشبه البستان الذي يعتني به صاحبه؛ كلما سقاه بماء الجمال، وأحاطه بالمعرفة، أثمر أزهارًا لا تنبت في أرض الإهمال.

ولهذا تميّز بعض الناس بما يُسمّى في عالم الطرب بـ"السَّميعة"، أولئك الذين لا يستمعون إلى الغناء بأذنهم فقط، بل بقلوبهم وعقولهم أيضًا. فهم يلتقطون جمال اللحن، وصدق الأداء، وقوة الكلمة، وعمق الإحساس. يعرفون الفرق بين صوت يخرج من أعماق النفس وصوت يعتمد على المؤثرات والضجيج، وبين فنان يحمل رسالة جمالية وفنان يبحث عن حضور عابر لا يبقى منه إلا الصخب.

وعندما نتحدث عن الغناء الأصيل، فإننا لا نقصد مجرد الحنين إلى الماضي أو رفض كل جديد، وإنما نقصد ذلك الغناء الذي يقوم على أصول راسخة؛ لغة عربية سليمة، ولحن موسيقي متماسك، وصوت قادر على التعبير عن المعنى والإحساس. فالفن الحقيقي لا يكتفي بأن يُسمع، بل يسعى إلى أن يُشعر، ولا يكتفي بأن يملأ الوقت، بل يترك أثرًا في الذاكرة والوجدان.

لقد كان المستمعون قديمًا يعرفون قيمة الكلمة واللحن والصوت، وكانوا ينتظرون الأغنية كما ينتظرون قصيدة جميلة أو لوحة فنية. كانوا يطربون لأصوات كبار الفنانين الذين أصبحوا علامات مضيئة في تاريخ الموسيقى العربية؛ من أم كلثوم التي جعلت القصيدة الغنائية فضاءً واسعًا للعاطفة والفكر، إلى محمد عبد الوهاب الذي جمع بين الأصالة والتجديد، وعبد الحليم حافظ الذي حمل صوت الشباب والحلم، وفريد الأطرش الذي امتلك نبرة لا تشبه سواها، وليلى مراد التي تركت حضورًا رقيقًا في ذاكرة الطرب، ومحمد عبد المطلب بصوته الشعبي العميق، والشيخ إمام بما حمله صوته من صدق واحتجاج وحكايات الناس، وفيروز التي جعلت الأغنية مساحة من الصفاء والحنين.

لكن الصورة تبدلت كثيرًا في زمن الفضائيات المفتوحة، حيث أصبح الغناء في كثير من الأحيان سلعة تُسوَّق بالصورة قبل الصوت، وبالإثارة قبل القيمة، وبالحركة قبل المعنى. لقد دخلت إلى المشهد أعمال لا تنتمي إلى الفن إلا بالاسم، وأصوات تعتمد على الصخب والإيقاعات المتكررة، حتى غدا المستمع أحيانًا محاصرًا بضجيج لا يمنحه فرصة للبحث عن الجمال.

تظهر بعض هذه الأعمال وكأنها قائمة على استعراض الشكل لا على جوهر الفن؛ شاب يتكلف هيئة لا تمت إلى الوقار بصلة، يكثر من الزينة والإكسسوارات، وتحيط به مشاهد مصطنعة تعتمد على الحركة المبالغ فيها والأزياء التي تبحث عن لفت النظر أكثر مما تبحث عن التعبير. تتحول الأغنية من مساحة للإبداع إلى عرض بصري سريع، ومن تجربة وجدانية إلى مشهد عابر تحكمه الرغبة في الانتشار لا الرغبة في الخلود.

أما اللغة، وهي روح الأغنية ووعاء معناها، فقد أصابها نصيب كبير من التراجع في بعض النماذج المعاصرة؛ كلمات فقيرة، وتعبيرات سطحية، وألفاظ تخجل الأذن الراقية من ترديدها، لأنها لا تحمل قيمة شعرية ولا جمالًا لغويًا، بل قد تنحدر أحيانًا إلى مستوى يسيء إلى الذوق العام ويشوّه وظيفة الفن التي طالما ارتبطت بالارتقاء بالإنسان.

إن الفن ليس مجرد صوت وصورة، بل هو مسؤولية ثقافية وجمالية. فالكلمة التي تُغنّى تدخل البيوت، وتصل إلى الأطفال والشباب، وتشارك في تشكيل الوعي والذوق. وما نسمعه اليوم ليس شأنًا فرديًا خاصًا، بل قضية تمس المجتمع كله، لأن الفن أحد العوامل التي تصنع الحسّ العام وتؤثر في طريقة الناس في رؤية الجمال والحياة.

ولا يعني هذا رفض كل جديد، فالتجديد ضرورة من ضرورات الفن، وكل عصر يفرز أشكاله وأساليبه، لكن التجديد الحقيقي لا يكون بهدم القيم، ولا بتحويل الفن إلى مجرد وسيلة للإثارة. فالفنان المبدع هو الذي يضيف جديدًا إلى التراث، لا الذي يقطع الصلة به، وهو الذي يفتح نوافذ المستقبل دون أن يطفئ مصابيح الماضي.

إن الخطر ليس في اختلاف الأذواق، فالأذواق بطبيعتها متعددة، وإنما الخطر حين يصبح الرديء هو السائد، وحين تتراجع المعايير التي تميّز بين العمل الفني الحقيقي والعمل الذي لا يعيش إلا لحظة ظهوره. فكما يحتاج الجسد إلى غذاء صحي، تحتاج الروح إلى غذاء جمالي نقي؛ لأن ما نسمعه وما نراه يتراكم في أعماقنا، ويترك أثره في مشاعرنا وأفكارنا.

قد يجد بعض الناس متعة في هذا اللون من الغناء، وقد يرونه تعبيرًا عن زمنهم وذوقهم، وهذا حقهم في الاختيار، لكن من حق محبي الفن الأصيل أيضًا أن يعبروا عن خوفهم على الذائقة العامة، وأن يطالبوا بأن يبقى للفن مكانه الرفيع، وأن تظل الأغنية العربية قادرة على حمل الجمال والمعنى.

إننا لا نخشى على الأغنية فقط، بل نخشى على الإنسان الذي يتربى وجدانه على الضجيج ويبتعد عن النغم الجميل. فالذوق مثل الصحة؛ إذا أهملناه أصابه الوهن، وإذا اعتنينا به ازدهر ونما. وربما كان من واجب المؤسسات الثقافية والإعلامية أن تعيد الاعتبار للفن الراقي، وأن تمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرّف إلى كنوز الموسيقى والغناء التي صنعت ذاكرة الأمة.

فالغناء ليس مجرد تسلية عابرة، إنه جزء من هوية الإنسان وذاكرته ووجدانه. وما أجمل أن يعيش المرء بين أنغام ترتقي به، وكلمات تضيء داخله، وأصوات تحمل الصدق والجمال. هنيئًا لمن ملك أذنًا موسيقية تعرف طريقها إلى الجمال، وهنيئًا لمن حفظ قلبه من ضجيج يطفئ الحسّ ويشوّه الذوق، وجعل من الفن نافذةً للروح لا بابًا للفوضى.

مدار الساعة ـ