أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

تَمْكِينُ الْمَرْأَةِ.. مِنْ شِعَارٍ يُرَدَّدُ إِلَى دَوْرٍ يُمَارَسُ


المحامية مرام القشي
ماجستير قانون جنائي

تَمْكِينُ الْمَرْأَةِ.. مِنْ شِعَارٍ يُرَدَّدُ إِلَى دَوْرٍ يُمَارَسُ

المحامية مرام القشي
المحامية مرام القشي
ماجستير قانون جنائي
مدار الساعة ـ

أَصْبَحَ «تَمْكِينُ الْمَرْأَةِ» مِنَ الْعِبَارَاتِ الْأَكْثَرِ حُضُورًا فِي الْخِطَابِ الرَّسْمِيِّ وَالْمُجْتَمَعِيِّ، وَفِي الْمُؤْتَمَرَاتِ وَالنَّدَوَاتِ وَالْفَعَالِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةِ. وَهُوَ أَمْرٌ يُعَبِّرُ فِي جَوْهَرِهِ عَنْ إِدْرَاكٍ مُتَزَايِدٍ لِأَهَمِّيَّةِ دَوْرِ الْمَرْأَةِ فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ وَالدَّوْلَةِ.

لَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ لَا تَكْمُنُ فِي الشِّعَارِ نَفْسِهِ، بَلْ فِي الْفَجْوَةِ الَّتِي قَدْ تَتَّسِعُ أَحْيَانًا بَيْنَ مَا نَقُولُهُ عَنْ تَمْكِينِ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ مَا نَفْعَلُهُ لِتَكُونَ شَرِيكًا حَقِيقِيًّا فِي صُنْعِ الْقَرَارِ.

فَالسُّؤَالُ الْيَوْمَ لَيْسَ: هَلْ نُرِيدُ تَمْكِينَ الْمَرْأَةِ؟

بَلْ: إِلَى أَيِّ مَدًى أَصْبَحَتِ الْمَرْأَةُ فَاعِلًا حَقِيقِيًّا فِي مَوَاقِعِ صُنْعِ الْقَرَارِ؟

مِنْ حُضُورِ الْمَرْأَةِ إِلَى فَاعِلِيَّتِهَا

لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُ مَا حَقَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ الْأُرْدُنِيَّةُ مِنْ حُضُورٍ وَنَجَاحٍ فِي مَجَالَاتٍ عِدَّةٍ؛ فَهِيَ حَاضِرَةٌ فِي الْقَضَاءِ وَالْمُحَامَاةِ وَالطِّبِّ وَالْهَنْدَسَةِ وَالْأَكَادِيمِيَا وَالْإِعْلَامِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمِهَنِ وَالْمَجَالَاتِ.

وَلَكِنَّ النَّجَاحَ الْمِهْنِيَّ، عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ، لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ أَنَّنَا وَصَلْنَا إِلَى التَّمْكِينِ السِّيَاسِيِّ الْحَقِيقِيِّ.

فَالْمَرْأَةُ قَدْ تَكُونُ مُتَفَوِّقَةً فِي مِهْنَتِهَا، وَتَمْتَلِكُ الْعِلْمَ وَالْخِبْرَةَ وَالْكِفَايَةَ، وَلَكِنَّهَا لَا تَزَالُ بَعِيدَةً عَنْ الْمَسَاحَاتِ الَّتِي تُصَاغُ فِيهَا الْقَرَارَاتُ وَتُرْسَمُ فِيهَا السِّيَاسَاتُ.

وَهُنَا يَكْمُنُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُضُورِ وَالتَّأْثِيرِ.

فَالْحُضُورُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فِي الْمَكَانِ، أَمَّا التَّمْكِينُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَهَا دَوْرٌ فِي صُنْعِ مَا يَجْرِي فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ.

هَلْ نَقِيسُ التَّمْكِينَ بِالْأَعْدَادِ؟

لَا شَكَّ أَنَّ التَّمْثِيلَ النِّسَائِيَّ فِي الْمُؤَسَّسَاتِ وَالْمَجَالِسِ وَالْمَوَاقِعِ الرَّسْمِيَّةِ مُهِمٌّ، وَلَكِنَّ الْعَدَدَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي لِقِيَاسِ التَّمْكِينِ.

فَالْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ فِي كَمْ امْرَأَةً تَجْلِسُ عَلَى مَقْعَدٍ، بَلْ فِي كَمْ امْرَأَةً تَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّأْثِيرِ فِي الْقَرَارِ؟

كَمْ امْرَأَةً تُسَاهِمُ فِي صِيَاغَةِ التَّشْرِيعِ؟

كَمْ امْرَأَةً تَشَارِكُ فِي رَسْمِ السِّيَاسَاتِ الْعَامَّةِ؟

كَمْ امْرَأَةً تَمْتَلِكُ الْأَدَوَاتِ الَّتِي تَجْعَلُ صَوْتَهَا مُؤَثِّرًا فِي صُنْعِ الْقَرَارِ؟

إِنَّ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ أَهَمُّ مِنْ مُجَرَّدِ الِاحْتِفَالِ بِالْحُضُورِ النِّسَائِيِّ؛ لِأَنَّ الْهَدَفَ لَيْسَ أَنْ نَرَى الْمَرْأَةَ فِي الصُّورَةِ، بَلْ أَنْ نَرَى أَثَرَهَا فِي الْقَرَارِ.

الْمُؤْتَمَرَاتُ لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةَ

لَيْسَ النَّقْدُ هُنَا مُوَجَّهًا إِلَى الْمُؤْتَمَرَاتِ وَالنَّدَوَاتِ بِذَاتِهَا؛ فَهِيَ مَسَاحَاتٌ مُهِمَّةٌ لِلنِّقَاشِ وَتَبَادُلِ الْخِبْرَاتِ وَطَرْحِ الْأَفْكَارِ.

وَلَكِنَّ السُّؤَالَ الْحَقِيقِيَّ يَبْدَأُ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمُؤْتَمَرِ.

مَاذَا حَدَثَ بَعْدَ التَّوْصِيَاتِ؟

مَنْ تَوَلَّى تَنْفِيذَهَا؟

مَا الَّذِي تَغَيَّرَ فِي وَاقِعِ الْمَرْأَةِ؟

وَهَلْ أَصْبَحَتْ هُنَاكَ فُرَصٌ أَوْسَعُ لَهَا فِي صُنْعِ الْقَرَارِ؟

فَالْمُؤْتَمَرُ النَّاجِحُ لَيْسَ الَّذِي يَنْتَهِي بِصَفَقَةٍ أَوْ تَوْصِيَةٍ، بَلْ الَّذِي يَتْرُكُ أَثَرًا يُمْكِنُ رَصْدُهُ وَقِيَاسُهُ.

وَإِلَّا فَإِنَّنَا نَخْشَى أَنْ نَكُونَ قَدْ انْتَقَلْنَا مِنْ تَمْكِينِ الْمَرْأَةِ إِلَى تَسْوِيقِ فِكْرَةِ تَمْكِينِ الْمَرْأَةِ.

وَهُنَا تَكْمُنُ الْفَجْوَةُ.

الْمَرْأَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى شَفَقَةٍ سِيَاسِيَّةٍ

إِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ تَمْكِينِ الْمَرْأَةِ يَجِبُ أَلَّا يَتَحَوَّلَ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الْوِصَايَةِ عَلَيْهَا، أَوْ إِلَى تَقْدِيمِهَا بِاعْتِبَارِهَا فِئَةً ضَعِيفَةً تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَمْنَحُهَا الْقُوَّةَ.

الْمَرْأَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى شَفَقَةٍ، وَلَا إِلَى مَكَانٍ شَكْلِيٍّ، وَلَا إِلَى دَعْمٍ مُؤَقَّتٍ.

إِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى فُرْصَةٍ عَادِلَةٍ، وَبِيئَةٍ سِيَاسِيَّةٍ تَسْمَحُ لِلْكِفَاءَةِ بِأَنْ تَصِلَ، وَلِلْقُدْرَةِ بِأَنْ تَتَحَرَّكَ، وَلِلْفِكْرَةِ بِأَنْ تُسْمَعَ.

وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بِتَكْرَارِ الْحَدِيثِ عَنْ قُدْرَةِ الْمَرْأَةِ، بَلْ بِإِتَاحَةِ الْمَجَالِ لَهَا لِتُثْبِتَ هَذِهِ الْقُدْرَةَ.

مِنَ الشِّعَارِ إِلَى الْمُؤَشِّرِ

لَعَلَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَى تَغْيِيرِ طَرِيقَةِ نَظَرِنَا إِلَى مَفْهُومِ التَّمْكِينِ.

فَبَدَلًا مِنْ أَنْ نَقُولَ: «نَحْنُ نَدْعَمُ تَمْكِينَ الْمَرْأَةِ»، يَجِبُ أَنْ نَسْأَلَ:

كَمْ فُرْصَةً حَقِيقِيَّةً صُنِعَتْ لَهَا؟

كَمْ مَوْقِعًا مِنْ مَوَاقِعِ صُنْعِ الْقَرَارِ فُتِحَ أَمَامَ الْكِفَاءَاتِ النِّسَائِيَّةِ؟

كَمْ سِيَاسَةً عَامَّةً تَغَيَّرَتْ بِفِعْلِ مُشَارَكَةِ الْمَرْأَةِ؟

فَهَذِهِ هِيَ الْمُؤَشِّرَاتُ الَّتِي تَجْعَلُ التَّمْكِينَ مَفْهُومًا قَابِلًا لِلْقِيَاسِ، لَا شِعَارًا قَابِلًا لِلتَّكْرَارِ.

الْمَطْلُوبُ: شَرَاكَةٌ لَا مُجَرَّدُ مُشَارَكَةٍ

إِنَّ الْمَرْحَلَةَ الْمُقْبِلَةَ تَتَطَلَّبُ الِانْتِقَالَ مِنْ مَفْهُومِ «مُشَارَكَةِ الْمَرْأَةِ» إِلَى مَفْهُومِ «شَرَاكَةِ الْمَرْأَةِ».

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَفْهُومَيْنِ كَبِيرٌ.

فَالْمُشَارَكَةُ قَدْ تَعْنِي الْحُضُورَ، أَمَّا الشَّرَاكَةُ فَتَعْنِي الْمَسْؤُولِيَّةَ وَالتَّأْثِيرَ وَالْقُدْرَةَ عَلَى صُنْعِ الْقَرَارِ.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ تَمْكِينَ الْمَرْأَةِ سِيَاسِيًّا يَحْتَاجُ إِلَى إِعْدَادٍ حَقِيقِيٍّ، وَتَأْهِيلٍ سِيَاسِيٍّ، وَفَتْحِ مَسَاحَاتٍ أَوْسَعَ لِلْكِفَاءَاتِ النِّسَائِيَّةِ، وَتَعْزِيزِ حُضُورِهَا فِي مَوَاقِعِ صُنْعِ الْقَرَارِ، لَا فَقَطْ فِي مَوَاقِعِ الْحُضُورِ.

خِتَامًا...

إِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُقْنِعُ الْمُجْتَمَعَ بِأَنَّهَا قَادِرَةٌ؛ فَإِنَّ مَا قَدَّمَتْهُ مِنْ نَمَاذِجَ نَاجِحَةٍ فِي مُخْتَلِفِ الْمَجَالَاتِ يَكْفِي لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ.

الَّذِي نَحْتَاجُهُ الْيَوْمَ هُوَ أَنْ نَنْتَقِلَ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِقُدْرَةِ الْمَرْأَةِ إِلَى الِاسْتِثْمَارِ فِي هَذِهِ الْقُدْرَةِ.

فَالتَّمْكِينُ الْحَقِيقِيُّ لَا يُقَاسُ بِعَدَدِ الْمُؤْتَمَرَاتِ، وَلَا بِكَثْرَةِ الشِّعَارَاتِ، وَلَا بِعَدَدِ التَّوْصِيَاتِ.

إِنَّمَا يُقَاسُ بِمَا تَرَكَتْهُ الْمَرْأَةُ مِنْ أَثَرٍ فِي التَّشْرِيعِ، وَالسِّيَاسَةِ، وَالْقَرَارِ.

فَإِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ حَاضِرَةً فِي الْمُؤْتَمَرِ، فَالسُّؤَالُ: هَلْ هِيَ حَاضِرَةٌ فِي صُنْعِ الْقَرَارِ؟

وَإِذَا كَانَ صَوْتُهَا مَسْمُوعًا فِي النَّدَوَاتِ، فَالسُّؤَالُ الْأَهَمُّ: هَلْ يَصِلُ صَوْتُهَا إِلَى مَائِدَةِ الْقَرَارِ؟

وَهُنَا تَكْمُنُ حَقِيقَةُ التَّمْكِينِ.

فَالْمَرْأَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى شِعَارٍ يُرَدَّدُ بِاسْمِهَا... بَلْ إِلَى قَرَارٍ يُصْنَعُ بِحُضُورِهَا.

مدار الساعة ـ