أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لماذا يرتفع الذهب وينخفض؟ فهم العلاقة بين التضخم والفائدة والدولار


د. عبدالله كساب الدعجة

لماذا يرتفع الذهب وينخفض؟ فهم العلاقة بين التضخم والفائدة والدولار

مدار الساعة ـ
لغز الصعود تحت الضغط .. متى يتمرد الذهب على قيود الفائدة؟

بعد أن استعرضنا في الأجزاء السابقة حقيقتين لا غنى عنهما؛ أولاهما أن الحروب والأزمات لا تملك بمفردها سلطة توجيه بوصلة الذهب، وثانيتهما أن الاحتياطي الفيدرالي يتحرك بوحي من الحالة الصحية للاقتصاد لا بضجيج العناوين الإخبارية، يبرز أمامنا السؤال الأخير والأكثر تعقيداً؛ إذا كانت أسعار الفائدة المرتفعة تشكل ضغطاً طبيعياً على الذهب، فلماذا نراه أحياناً يتمرد على هذه القاعدة ويرتفع رغم بقاء الفائدة في مستويات شاهقة؟

السر يكمن في أن الأسواق لا تحبس نفسها داخل زاوية واحدة، بل تنظر دائماً إلى الصورة الاقتصادية الكاملة.

التوقعات.. المحرك الخفي وراء المشهد

لنأخذ مثالاً عملياً يربط كل ما طرحناه؛ لنفترض أن أزمة جيوسياسية تسببت في اشتعال أسعار النفط؛ ما الذي سيحدث تالياً؟ سترتفع تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما سيؤدي بالتبعية لرفع أسعار السلع والخدمات، ومن ثم قفز معدلات التضخم؛ هنا، تبدأ الأسواق بطرح سؤال جوهري؛ كيف سيتصرف الاحتياطي الفيدرالي؟

إذا سادت توقعات بأن التضخم سيظل عنيداً ومرتفعاً، فقد يظن المستثمرون أن الفيدرالي سيؤجل خفض الفائدة أو يبقيها مرتفعة لفترة أطول؛ هذه التوقعات قد تقوي الدولار وتضغط على الذهب، رغم أن المحرك الأول للأحداث كان حرباً؛ لذا، لا يكفي أبداً الاكتفاء بقراءة الخبر، بل يجب استيعاب كيف يغير هذا الخبر توقعات المستثمرين تجاه المستقبل.

عندما يفقد المريض نشاطه.. الذهب في مواجهة الركود

بناءً على تشبيهنا السابق للاقتصاد بجسم الإنسان، لنفترض أن الطبيب (الفيدرالي) نجح بالفعل في خفض حرارة المريض (التضخم)؛ هل يعني هذا بالضرورة أن المريض استرد عافيته؟ ليس بالضرورة؛ فقد تنخفض الحرارة لكن المريض يظل واهناً وفاقداً للنشاط.

هذا هو حال الاقتصاد في ظل السياسات النقدية المتشددة؛ حيث قد يؤدي استمرار الفائدة المرتفعة إلى تباطؤ النمو، وارتفاع البطالة، وتراجع الاستثمارات، وفي هذه اللحظة عندما يسيطر القلق على المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد، يبدأ البحث عن الأمان قبل الربح؛ هنا يعود الذهب إلى الواجهة كأهم ملاذ للحفاظ على القيمة، ولهذا قد يرتفع الذهب رغم بقاء الفائدة مرتفعة، لأن الخوف من الركود غلب بريق العوائد.

المعضلة الكبرى.. الركود التضخمي (Stagflation)

أحياناً يواجه الاقتصاد الحالة الأكثر تعقيداً وتناقضاً، وهي الركود التضخمي؛ حيث يجتمع تباطؤ النمو مع استمرار ارتفاع الأسعار؛ هذه المرحلة هي الأصعب على الفيدرالي؛ فهو يريد خفض التضخم لكنه يخشى تعميق الركود؛ أما الذهب، فهو المستفيد الأكبر في هذه البيئة لسببين؛ الأول أن التضخم يدفع الناس لحماية قوتهم الشرائية، والثاني أن ضعف الاقتصاد يزيد الإقبال على الأصول الآمنة.

ما وراء السياسة.. حتمية العرض والطلب

بعيداً عن العوامل قصيرة الأجل (تضخم، فائدة، دولار)، هناك عامل جوهري يظهر أثره بوضوح على المدى الطويل، وهو العرض والطلب؛ الذهب مورد طبيعي محدود لا يمكن طباعته كالعملات، ومع ندرة الاكتشافات الجديدة وارتفاع تكاليف الاستخراج، وفي المقابل استمرار نمو الطلب من البنوك المركزية والمستثمرين وقطاع المجوهرات والصناعة، يرى الكثير من الاقتصاديين أن هذا الاختلال بين العرض والطلب يظل ركيزة داعمة للذهب على المدى البعيد.

المنهجية بدلاً من العاطفة

إذا أردت الانتقال لخانة العقلانية، فلا نسأل (هل سيرتفع الذهب؟)، بل يجب ان تكون أسئلتنا كالتالي:

1. هل التضخم (عبر مؤشرات CPI وPPI وCore PCE) يرتفع أم ينخفض؟ وهل جاءت البيانات مخالفة للتوقعات؟

2. ماذا سيكون رد فعل الفيدرالي؟ وهل تتجه السياسة نحو التشديد أم التيسير؟

3. كيف يتحرك الدولار؟ وهل يتجه الاقتصاد نحو النمو أم الركود؟

4. هل هناك عوامل طويلة الأجل كالعرض والطلب تدعم السعر؟

كل سؤال هو قطعة في أحجية كبرى، واجتماعها هو ما يكشف الصورة؛ الذهب لا يقرأ العناوين العريضة ولا يتأثر بها وحدها، بل بما تتركه من أثر في بنية الاقتصاد وتوقعات البشر.

تذكروا دائماً؛ قد تكون الحرب هي بداية القصة.. لكن الاقتصاد هو الذي يكتب نهايتها؛ ومن يفهم الاقتصاد.. يفهم الذهب.

مدار الساعة ـ