في زمن باتت فيه المفاجأة الجيوسياسية هي القاعدة لا الاستثناء، يكتسب الاجتماع الذي ترأسه جلالة الملك عبدالله الثاني في قصر الحسينية، بحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، لمتابعة إجراءات الحكومة في أمن الطاقة والغذاء، اول من امس دلالة تتجاوز طابعه الدوري المعتاد.
هذا ليس اجتماعاً تنسيقياً روتينياً بين وزارات معنية، بل هو تمرين حوكمة استراتيجية بمعناه الدقيق: مراجعة جاهزية الدولة لمواجهة صدمات لم تقع بعد، في وقت لا تزال فيه نافذة الاستعداد مفتوحة.القيمة الحقيقية لهذا اللقاء لا تكمن في تكراره لعبارات "الأمن الغذائي" و"أمن الطاقة" التي أصبحت مفردات متداولة في كل خطاب رسمي حول العالم، بل في المضمون التنفيذي الذي حمله. فحين يوجّه جلالة الملك الحكومة، بشكل مباشر، إلى "الحفاظ على مخزون غذائي استراتيجي من الحبوب والسلع الأساسية بمستويات آمنة وكافية"، وإلى "تطوير آليات إدارته بما يضمن استدامة الإمدادات"، فإنه ينتقل من مستوى الخطاب السياسي العام إلى مستوى الأداة السياساتية المحددة: حجم المخزون، دورة تجديده، آليات إدارته، واستدامة سلاسل تغذيته. وحين يدعو إلى "تعزيز الشراكات مع القطاع الخاص في قطاعي التخزين والنقل"، فإنه يضع يده على نقطة الضعف البنيوية التي تعاني منها معظم دول المنطقة في هذا الملف: القدرة اللوجستية والتخزينية، لا توفر السلعة في السوق العالمية فحسب. كثير من أزمات الأمن الغذائي في التاريخ الحديث لم تنشأ من ندرة الإنتاج العالمي، بل من انقطاع سلاسل النقل والتخزين والتمويل في اللحظة الحرجة. والإشارة إلى القطاع الخاص هنا ليست تفصيلاً هامشياً، بل اعتراف ضمني بأن الدولة وحدها لا تملك، ولا ينبغي أن تملك، كامل البنية التحتية اللازمة لهذه المهمة، وأن الشراكة مع القطاع الخاص في التخزين والنقل هي المسار الأكفأ لبناء مرونة حقيقية بدل تكديس مخزون حكومي مكلف وبطيء الحركة.الأمر ذاته ينطبق على شق الطاقة، حيث وجّه جلالته بمواصلة تنويع مصادر الطاقة والتوسع في الاعتماد على المصادر المحلية والمتجددة، وبناء مخزون استراتيجي يرفع جاهزية المنظومة الوطنية ، وهذا الربط بين أمن الطاقة وأمن الغذاء ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو صلب ما يعرف عالمياً بمقاربة الترابط بين الماء والطاقة والغذاء والبيئة (WEFE Nexus)، وهي المقاربة التي باتت المرجعية التحليلية المعتمدة في كل استراتيجية أمن غذائي جادة، لسبب بسيط: تكلفة الطاقة تدخل في كل حلقة من حلقات الإنتاج الغذائي، من الضخ والري إلى التصنيع والتبريد والنقل ،حيث لا يمكن الحديث عن أمن غذائي مستدام في اقتصاد يستورد جزءاً كبيراً من طاقته دون معالجة متزامنة لأمن الطاقة. اجتماع الحسينية عالج الملفين معاً، في جلسة واحدة، وهذا بحد ذاته مؤشر على نضج في فهم طبيعة المخاطر المركّبة التي تواجهها الدولة الأردنية.وتوقيت هذا التوجيه ليس عرضياً. فقبل أسابيع قليلة فقط، صدر تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم "SOFI 2026" عن منظمات الأمم المتحدة، حاملاً رسالة مزدوجة: تراجع في معدلات الجوع العالمي للعام الثالث على التوالي، وهو ما وصفته الأمم المتحدة بتقدم تاريخي، لكنه تقدم "هش" بالتعبير الحرفي للتقرير ذاته. فما زال نحو 266 مليون شخص في 47 دولة يعانون من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم نحو 1.4 مليون شخص في أوضاع كارثية في مناطق من غزة والسودان واليمن وهايتي ومالي وجنوب السودان، فيما تراجع التمويل الإنساني والإنمائي المخصص للاستجابة الغذائية إلى أدنى مستوياته منذ ما يقرب من عقد وهذه الهشاشة، بحسب التقرير نفسه، مرتبطة مباشرة بالنزاعات والتغير المناخي والصدمات الاقتصادية، وهي بالضبط المخاطر الثلاثة التي يعيشها الإقليم والعالم اليوم في آن واحد.فعلى الجبهة الجيوسياسية، أدى تصاعد النزاعات في الشرق الأوسط، بما في ذلك اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، إلى ارتفاع حاد في أسعار الأسمدة، حيث قفزت أسعار اليوريا وحدها بما يقارب 46 بالمئة خلال أسابيع، مع تداعيات مباشرة على تكلفة الإنتاج الزراعي عالمياً. وتشير تقديرات مؤسسات دولية إلى أن استمرار الحرب في أوكرانيا وروسيا، إلى جانب التوترات في إيران، قد يدفع أسعار القمح والذرة والأرز للارتفاع بنسب تتراوح بين 10 و18 بالمئة خلال العام المقبل. وعلى الجبهة المناخية، كشفت حرائق الغابات التي اجتاحت فرنسا وإسبانيا هذا الصيف، وأتت على عشرات آلاف الهكتارات في منطقة جيروند وحدها، حقيقة كانت الأوساط الفنية تحذر منها منذ سنوات: أن التغير المناخي بات يهدد الأمن الغذائي والسيادة الغذائية لأوروبا نفسها، القارة التي طالما اعتُبرت من أكثر مناطق العالم استقراراً في إنتاجها الزراعي. حين تتزعزع الثقة بمرونة الإنتاج الأوروبي، يصبح من غير المعقول لأي دولة مستوردة صافية للغذاء والطاقة، كالأردن، أن تُبقي استعدادها لهذه المخاطر رهناً بحسن الظن أو باستقرار الأسواق.هذا بالضبط ما يمنح اجتماع الحسينية أهميته: أنه جاء إجراءً استباقياً في وقت لا تزال فيه المؤشرات الوطنية، بحسب التقرير الأممي نفسه، تسجل تحسناً نسبياً، لا استجابة متأخرة لأزمة وقعت بالفعل. الفارق بين الدول التي تدير أمنها الغذائي بكفاءة والدول التي تُفاجأ به يكمن غالباً في هذه المسافة الزمنية: من يبني مخزونه الاستراتيجي وشراكاته اللوجستية قبل الأزمة، لا في خضمها.يبقى التحدي الحقيقي، كما هو الحال دائماً، في مرحلة ما بعد التوجيه ،فالفجوة التي تحسم مصير أي رؤية سياساتية ليست في وضوح التوجيه الملكي، بل في قدرة الأجهزة التنفيذية على ترجمته إلى تشريعات وأطر تمويل وآليات حوكمة قابلة للقياس والمساءلة: حجم مخزون محدد بالأشهر لا بالشعارات، عقود شراكة مع القطاع الخاص في التخزين والنقل قابلة للتنفيذ الفعلي، وبنية تنسيق مؤسسي بين الوزارات المعنية تُترجم "رفع مستويات التنسيق" الذي دعا إليه جلالته إلى واقع تشغيلي يومي. الإشارة الملكية واضحة وحاسمة؛ والاختبار الحقيقي الآن أمام الحكومة، في قدرتها على تحويل هذه الإشارة إلى منظومة أمن غذائي وطاقوي متينة، تُبنى في زمن الاستقرار النسبي، لا تُرتجل في زمن الأزمة.حين يتقدم القرار السيادي على الأزمة
مدار الساعة ـ