الحقيقة التي لا نحب سماعها هي أننا نريد الإنجاز ، لكننا لا نريد دفع ثمنه .
نتحدث كثيرًا عن التطوير ، ونطالب بقوة برفع التصنيف ، ونحلم بالنتائج الكبيرة ، ونتحدث عن الدعم المالي ، لكننا أحيانًا نتجاهل الحقيقة التي لا نحب سماعها ، وهي أن الإنجاز يحتاج إلى منظومة متكاملة ، وليس مجرد أمنيات وانتظار للنتائج .واليوم تقف الكرة الأردنية أمام استحقاقين آسيويين مهمين ، يتمثلان في مشاركة الحسين إربد والفيصلي خارج الحدود ، وهما لا يمثلان نفسيهما فقط ، بل يمثلان الأردن بأكمله ، ويزداد حجم المسؤولية مع اقتراب الحسين إربد من فرصة تاريخية تتمثل بالمشاركة في بطولة النخبة الآسيوية ، وهي محطة غير مسبوقة لأي نادي أردني ، فيما يستعد الفيصلي أيضًا لخوض استحقاق قاري لا يقل أهمية من حيث تمثيل الكرة الأردنية ورفع اسمها ، وحيث نعيش الحقبة المونديالية التي صنعتها إنجازات المنتخب الوطني ، وأعادت الكرة الأردنية إلى واجهة الاهتمام القاري والدولي ، فمن غير المنطقي أن نبقى نتعامل مع المشاركات الخارجية للأندية بالعقلية ذاتها ، دون تطوير المنظومة التي تحافظ على هذا الزخم وتبني عليه ، لأن نجاح المنتخب يجب أن يكون نقطة انطلاق لنجاح الأندية أيضًا ، وليس حالة استثنائية تنتهي بانتهاء المناسبة .ومن هنا ، فإن المسؤولية تبدأ أولًا من الناديين ، فكل منهما مطالب بتعزيز صفوفه وإكمال خياراته الفنية ضمن الأطر الزمنية المناسبة ، بما يتناسب مع حجم الطموح والاستحقاقات المقبلة ، لأن النجاح يحتاج إلى استعداد مبكر وتخطيط واضح .لكن في المقابل ، فإن الجهات الرسمية والمؤسسات والقطاع الخاص والمجتمع الرياضي لم يبادروا إلى تقديم الدعم الذي يتناسب مع قيمة هذه المشاركات ، حتى في أبسط الجوانب ، مثل توفير ملاعب مناسبة للتدريب أو المساهمة في تخفيف الأعباء اللوجستية والمالية ، علمًا أننا في الأساس لا نقدم دعم مالي حقيقي للأندية .وما المانع من أن تقدم الشركات الوطنية دعم للأندية الأردنية المشاركة خارجيًا باعتبارها تخوض مهمة تمثل الوطن ؟! وما المانع من أن تتحمل شركات الطيران الوطنية أو الشركات الكبرى جزءًا من تكاليف السفر ؟!والسؤال الأهم : هل لدينا أصلًا تشريعات أو أنظمة تنص على تخصيص مبلغ مالي ، ولو كان رمزي ، من وزارة الشباب أو الاتحاد أو اللجنة الأولمبية أو أي جهة رسمية ذات علاقة ، لدعم أي نادي أردني يشارك في بطولة خارجية ويمثل الوطن ؟!وهنا يبرز أيضًا دور مجلس النواب ، باعتباره شريكًا في صناعة التشريعات والرقابة ، من خلال تبني مقترحات أو تعديلات تضمن وجود إطار قانوني واضح لدعم الأندية الأردنية التي تمثل الوطن خارجيًا ، سواء عبر حوافز تشجع أيضا القطاع الخاص على المساهمة من خلال مخصصات مالية ، أو تسهيلات لوجستية ، لأن الاستثمار في الرياضة ليس ترفًا ، بل هو استثمارًا في صورة الأردن وإنجازاته ومكانته ،ولعل هذا الملف يرتبط بصورة مباشرة بملف الاستثمار الرياضي الذي بات أحد أهم محاور التنمية الاقتصادية الحديثة ، فالأندية التي تحقق حضورًا قاريًا لا تقدم إنجازًا رياضيًا فحسب ، بل تساهم في الترويج للأردن ، وجذب الاستثمارات ، وتنشيط السياحة الرياضية ، وتعزيز القيمة التجارية للرياضة الوطنية ، لذلك فإن دعم الأندية المشاركة خارجيًا يجب أن يُنظر إليه باعتباره استثمارًا وطنيًا يعود بالنفع على الاقتصاد وصورة الدولة ، وليس مجرد نفقة أو عبء مالي ، وهذا الدعم مطلوب من تلك الجهات باعتبارها جزءًا من المنظومة ، وبالمقابل هل بادر القطاع الخاص ، سواء بشكل منفرد من خلال الشركات أو بشكل جماعي عبر غرف التجارة والصناعة ، يومًا إلى إنشاء برنامج ثابت يخصص من خلاله مساهمة مالية ، ولو محدودة ، لكل نادي أردني يشارك خارجيًا ، إدراكًا بأن هذا النادي لا يمثل نفسه فقط ، بل يمثل الأردن ، ويرفع علمه ، ويسهم في تحسين تصنيفه الكروي والقاري ؟ثم إننا نطالب دائمًا رجال الأعمال بدخول إدارات الأندية وتحمل مسؤولياتها ، لكن ماذا نقدم لهم بعد ذلك ؟ نتركهم وحدهم في مواجهة الديون والالتزامات والأزمات المالية ، ثم نستغرب عزوف الكثيرين عن خوض هذه التجربة أو الاستمرار فيها ؟ إن بيئة النجاح لا تُبنى بالشعارات ، بل بشراكة حقيقية تتقاسم المسؤولية ولا تلقيها على طرف واحد .وعلى الصعيد الإعلامي ، علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا ، هل قدمنا بالفعل الدعم الإعلامي الذي يستحقه الحسين إربد والفيصلي قبل مشاركتيهما الخارجية ؟ أم أن الميول النادوية طغت على المصلحة العامة حتى في صفحاتنا ، فأصبح الاهتمام مرتبطًا بالتشجيع النادوي أكثر من ارتباطه بتمثيل الوطن ؟ لأن أي نادي أردني يشارك خارج الحدود لا يمثل نفسه فقط ، بل يحمل اسم الأردن ، ومن الواجب أن تتراجع الألوان والشعارات أمام راية الوطن .ورغم كل ما سبق ، تأتي لحظة النتائج ، فإذا لم يتحقق المطلوب تبدأ الأقلام بالانتقاد والمحاسبة ، بل إن البعض يجهز أقلامه حتى عند تحقيق الإنجاز ، وكأن النجاح لا يكفي لإيقاف لغة البحث عن الأخطاء .إذا كنا نريد أندية تنافس قاريًا ، فعلينا أن نتوقف عن ثقافة انتظار المعجزة ، وأن ندرك أن صناعة الإنجاز تبدأ قبل صافرة البداية بالدعم والتخطيط ، وبوجود تشريعات واضحة ، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والإعلام والجماهير ، مع تبني رؤية استثمارية تجعل الرياضة قطاع منتج وليس مستهلك ، وتوفير الظروف المناسبة لكل نادي يمثل الأردن خارج حدوده ، أما أن نطالب بتحقيق النتائج دون أن نوفر له أسباب النجاح ، ونحاسب على أي تعثر ، فهذه ليست صناعة نجاح... بل انتظار لفشل نشارك جميعًا .ليست صناعة نجاح بل انتظار لفشل نشارك جميعًا
مدار الساعة ـ