مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

وضحى 'أم متعب'.. ابنة البادية السعودية وإبداع إلهام علي


أ.د محمد الفرجات

وضحى 'أم متعب'.. ابنة البادية السعودية وإبداع إلهام علي

مدار الساعة ـ
وضحى أم متعب.. ابنة البادية السعودية

ليست متابعة الأعمال الدرامية عندي عادة يومية أو هروباً من مسؤوليات الحياة، فلكل إنسان أولوياته وواجباته، ولدي كما لدى الجميع عمل ومسؤوليات ومهام يومية. لكن الإنسان يحتاج أحياناً إلى لحظات يستمتع فيها مع الأسرة والأطفال، ويمنح نفسه مساحة للتأمل والاطلاع، وذلك فيما يتاح من وقت بعد أداء العبادات والفروض، وإنجاز العمل المكتبي والبيتي، وفي رحاب الأسرة التي تبقى أجمل مساحة للراحة والسكينة.

ومن هذا المنطلق تابعت مع الأسرة بعض حلقات مسلسل شارع الأعشى، لا باعتباره مجرد عمل ترفيهي، بل باعتباره عملاً يحمل قراءة اجتماعية وإنسانية لمرحلة تاريخية مهمة، ويقدم شخصيات تستحق التأمل، وعلى رأسها شخصية وضحى "أم متعب".

ليست كل الشخصيات الدرامية تعبر الشاشة ثم تغادر الذاكرة، فبعضها يبقى لأنه يشبه الناس الذين عرفناهم، ويوقظ فينا حنيناً إلى زمن كانت فيه القيم هي الثروة الحقيقية.

بالنسبة لي، كانت وضحى "أم متعب" هي روح مسلسل شارع الأعشى. لم أر فيها مجرد شخصية درامية، بل رأيت المرأة العربية الأصيلة، ابنة البادية السعودية، التي صاغتها الصحراء بالصبر، وربتها الحياة على الحكمة، وزينتها الأخلاق بالكبرياء والعزة والرحمة.

كانت وضحى قوية دون أن تتخلى عن أنوثتها، وحازمة دون أن تفقد حنانها، ومتسامحة دون أن تسمح لأحد أن يمس كرامتها. كانت تؤمن بأن الخير لا يضيع، وأن الإنسان يبقى بما يتركه من أثر طيب في قلوب الآخرين، لا بما يملك من مال أو جاه. كانت أماً حقيقية، تصنع الرجال بالقيم قبل الكلمات، وتداوي الجراح بالصبر قبل الشكوى.

إن جمال هذه الشخصية لا يكمن فقط في أحداث القصة، بل في المعاني التي تحملها؛ فهي تمثل جيلاً من النساء اللواتي لم تكن أسماؤهن تتصدر العناوين، لكنهن كنّ الأساس الذي قامت عليه الأسر والمجتمعات. نساء حملن المسؤولية بصمت، وحافظن على القيم في زمن التحولات، وكان صبرهن وشجاعتهن جزءاً من بناء الإنسان والمكان.

هذا العمق الإنساني لم يكن مصادفة، بل جاء نتيجة نص أدبي متميز كتبته الروائية بدرية البشر، ورؤية إخراجية واعية للمخرج أحمد كاتيكسيز، الذي استطاع أن يحول الرواية إلى لوحة بصرية نابضة بالحياة، جعلت المشاهد يعيش تفاصيل المجتمع السعودي في سبعينيات القرن الماضي، وهي مرحلة مفصلية شهدت بدايات تحولات اجتماعية وتنموية مهمة، وانفتاحاً متدرجاً على التقنيات الحديثة ووسائل الاتصال والتعليم والإعلام، دون أن يفقد المجتمع أصالته أو تماسكه.

ولم تكن الأزقة والبيوت والأسواق والملابس ووسائل النقل وأجهزة الراديو والهاتف مجرد تفاصيل للحنين إلى الماضي، بل كانت لغة بصرية ذكية تروي قصة وطن يتطور بثقة، ويستقبل معطيات العصر، محافظاً في الوقت نفسه على منظومته الأخلاقية والاجتماعية. وهنا تتجلى براعة الكاتب والمخرج في تقديم التاريخ الاجتماعي بلغة الفن، بعيداً عن الخطابة أو التوثيق الجاف.

لقد نجح العمل في أن يجعلنا نرى كيف تدخل التكنولوجيا حياة الناس تدريجياً، وكيف تغيرت أنماط التواصل والتعليم والعمل، وكيف كان المجتمع السعودي يتفاعل مع العالم من حوله، بينما يحافظ على جذوره وهويته. فالتقدم الحقيقي لا يعني التخلي عن الماضي، بل القدرة على البناء فوق أساس متين من القيم.

وأنا أتابع وضحى، لم أستطع إلا أن أتذكر المرأة الأردنية؛ تلك المرأة التي شاركت الرجل مسؤولية الحياة في البادية والريف والمدينة، وصبرت على قسوة الظروف، وربّت أجيالاً على الكرامة والاعتماد على النفس، وكانت شريكة حقيقية في بناء الأسرة والمجتمع. هي أيضاً أمٌ تعرف أن التضحية ليست ضعفاً، وأن الصبر ليس استسلاماً، وأن الكرامة هي رأس مال الإنسان.

وليس غريباً أن نجد هذا التشابه بين المرأة السعودية والمرأة الأردنية؛ فالأردن والجزيرة العربية يرتبطان بتاريخ طويل من العلاقات الإنسانية والثقافية، كما أن أصول عدد كبير من القبائل الأردنية تمتد إلى الجزيرة العربية، وما زالت منظومة القيم العربية الأصيلة من كرم وشهامة ونخوة وحسن الجوار واحترام الأسرة تشكل قاسماً مشتركاً بين الشعبين.

أما الأردن، فهو ليس مجرد جغرافيا تقع إلى الشمال من الجزيرة العربية، بل أرض حضارات متعاقبة، ومعبر تاريخي مهم نحو بلاد الشام. وعلى ترابه قامت ممالك تركت بصمتها في تاريخ الإنسانية؛ هنا ازدهرت حضارة الأنباط التي أبدعت مدينة البتراء، إحدى أعظم المدن المنحوتة في الصخر، وهنا قامت مملكة مؤاب التي خلد ملكها ميشع اسمه في واحد من أهم النقوش التاريخية في الشرق القديم. إنها أرض كانت دائماً ملتقى الحضارات وجسراً بين الجزيرة العربية وبلاد الشام.

لقد نجح شارع الأعشى في أن يكون أكثر من مسلسل؛ كان نافذة على مرحلة مهمة من تاريخ المملكة العربية السعودية، ووثيقة اجتماعية تحفظ ذاكرة جيل، وتقدم للأجيال الجديدة صورة صادقة عن مجتمع كان يتغير، ويستقبل الحداثة بعقل منفتح، دون أن يتخلى عن هويته.

وتستحق الفنانة إلهام علي كل التقدير على أدائها لشخصية وضحى "أم متعب"، فقد قدمت الشخصية بصدق وإنسانية، وجعلت المشاهد يشعر بأنه أمام امرأة حقيقية من نساء ذلك الزمن؛ امرأة تحمل ملامح الأم، وحكمة الجدة، وصبر المرأة العربية التي صنعت الكثير من تاريخ مجتمعاتنا بصمت.

أما وضحى "أم متعب"... فستبقى في الذاكرة رمزاً للمرأة العربية الأصيلة؛ ابنة البادية السعودية التي حملت رسالة الأخلاق قبل أن تحمل هموم الحياة، والتي ذكّرتنا بأن الأمم لا تبنى بالتقنيات وحدها، بل تُبنى أولاً بالإنسان، وبالمرأة التي تُحسن صناعة الإنسان.

ولعل أجمل ما يتركه عمل مثل شارع الأعشى أنه يعيدنا إلى سؤال مهم: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن تتغير الأزمنة وتتطور التكنولوجيا؟ والجواب الذي تقدمه وضحى "أم متعب" هو أن ما يبقى دائماً هو الخلق، والموقف، والرحمة، والقدرة على الصبر وصناعة الخير.

مدار الساعة ـ