مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

من سرق هيبة الرجال؟


عالية علي الزبيدي

من سرق هيبة الرجال؟

مدار الساعة ـ

علّمني أبي أن الرجال لا تُصنعهم الأعمار، بل تصنعهم المسؤوليات. وأن الوقار لا يُشترى بثوبٍ فاخر، ولا تمنحه مرآة، ولا تصنعه صورة، بل تبنيه الأيام حين تثقل الأكتاف بالأمانات، وتضيق السبل، ويحتاج الناس إلى رجلٍ يسبقهم إلى الواجب، لا إلى من يسبقهم إلى المرآة.

وكان يقول لي: “إذا أردتِ أن تعرفي معدن الرجل، فلا تنظري إلى مظهره، بل إلى موقفه حين تُمتحن الأخلاق، وحين تصبح المصلحة في جهة، والحق في جهة أخرى.” ولم أكن أدرك يومها عمق هذه الكلمات كما أدركها اليوم، وأنا أرى كيف تغيّرت صورة الرجولة في أذهان كثيرين، وكيف أصبح بعض الشباب يلهثون خلف الصورة، بينما تضيع منهم الحقيقة.

ولم يكن الفارق بين جيل الأمس وجيل اليوم فارقًا في الذكاء، ولا في الطموح، ولا في القدرة على التعلم، بل كان فارقًا في فلسفة التربية. فقد تربّى جيلٌ على أن الحياة لا تمنح شيئًا مجانًا، وأن الكرامة تُكتسب بالعمل، وأن الرجل كلما اشتدت عليه الأيام ازداد صلابة. أما اليوم، فقد نشأت عند بعض الشباب ثقافة جديدة، تُربّي الإنسان على الراحة قبل المسؤولية، وعلى الحقوق قبل الواجبات، وعلى الإعجاب قبل الاستحقاق.

وليس المقصود هنا ذمَّ الشباب، فكل جيل يضم النبلاء كما يضم الضعفاء، وإنما الحديث عن ظاهرة اجتماعية أخذت تتسلل إلى بيوتنا بصمت، حتى غدت عند البعض أسلوب حياة؛ ظاهرة الدلال المفرط، وهشاشة الشخصية، والاعتقاد أن الرجولة تُقاس بما يظهر للناس، لا بما يختبئ في الضمير.

لقد تبدلت المعايير حتى أصبح بعض الشباب يقضي وقتًا في ترتيب مظهره أكثر مما يقضيه في ترتيب مستقبله. يعرف أسماء العطور العالمية، ويتابع أحدث قصّات الشعر، ويحرص على أن تكون صورته كاملة التفاصيل، لكنه قد لا يحرص بالقدر نفسه على بناء خلقه، أو تثقيف عقله، أو الوفاء بكلمته. وليس العيب في الأناقة، فالإسلام دين الجمال، والذوق الرفيع من حسن المروءة، وإنما العيب أن يصبح المظهر هو المشروع، وأن تتحول الشخصية إلى مجرد واجهة، بينما يبقى الجوهر فارغًا.

وما يؤلم أكثر أن بعض الشباب لم يكتفوا بالمبالغة في الاهتمام بالصورة، بل جعلوا من الاستعراض أسلوبًا للحياة. يتراقصون طلبًا للفت الأنظار، ويتباهون بحركاتٍ كانت الأجيال السابقة تستحي أن تُنسب إليها، ويتنافسون في كل ما يثير الضجيج، حتى غدا التصفيق غاية، والإعجاب إنجازًا، والشهرة قيمةً بحد ذاتها، ولو جاءت على حساب الوقار.

لقد تربينا على أن للرجل هيبةً لا يفرط فيها، وأن الوقار لا يعني العبوس، بل يعني أن يعرف الإنسان حدود نفسه، فلا يجعلها مسرحًا لكل عين، ولا مادةً لكل تعليق، ولا سلعةً تُعرض طلبًا للإعجاب. كنا نستحي من بعض التصرفات لأنها كانت تُعد خفةً تُسقط من قدر صاحبها، أما اليوم فقد أصبح بعض الناس يتفاخرون بما كنا نعدّه عيبًا، ويطلبون الشهرة من أبوابٍ كانت التربية تغلقها حياءً ومروءة.

إن أكثر ما يبعث على الأسى أننا لم نعد نفتقد الرجال بقدر ما نفتقد معاني الرجولة. فكثيرون يحملون هيئة الرجال، لكنهم يعجزون عن حمل أعبائها؛ يتقنون لفت الأنظار، ولا يتقنون لفتة الشهامة، ويبرعون في استعراض الصورة، ويخفقون في صناعة الموقف. يتباهون بما كانت التربية تستحي منه، ويطلبون التصفيق على ما كان الآباء يعدّونه خفةً لا مروءة، وضجيجًا لا وقارًا. فليست الرجولة ملامح تُرى، ولا أجسادًا تنضج، بل ضميرٌ ينهض عند الواجب، وهيبةٌ تسبق صاحبها، ومسؤوليةٌ لا تحتاج إلى جمهورٍ يصفق لها.

ثم جاءت منصات التواصل الاجتماعي، فأعادت صياغة المقاييس عند كثيرين. لم يعد السؤال: ماذا أنجزت؟ بل: كم شاهدك الناس؟ ولم يعد الاهتمام منصبًا على قيمة الإنسان، بل على عدد الإعجابات التي يجمعها، حتى أصبح بعض الشباب يعيش ليراه الآخرون، لا ليبني نفسه. وكلما ازداد انشغاله بصورة وجهه، قلّ انشغاله بصورة مستقبله.

ولم يقف الأمر عند المظاهر، بل امتد إلى تكوين الشخصية نفسها. فصار بعض الشباب يضيق بأقل مشقة، ويتذمر من أقل تعب، ويبحث عن الراحة في كل شيء، وكأن الحياة خُلقت لتدور حول مزاجه. فإذا واجهته مسؤولية أثقلته، وإذا اعترضه فشل كسره، وإذا سمع نقدًا أغضبه، لأنه لم يتعلم أن الحياة تُربي بالصبر كما تُربي بالنجاح.

إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس ضعف الأجساد، وإنما ضعف النفوس. فالرجل لا يُعرف بقوة عضلاته، ولا بماركة ثوبه، ولا بثمن ساعته، وإنما يُعرف بثباته إذا اضطربت الأمور، وبصدقه إذا كثرت المغريات، وبقدرته على حمل المسؤولية دون شكوى، وعلى حماية من حوله دون انتظار تصفيق.

وما نحتاج إليه اليوم ليس أن نُكثر من الحديث عن الرجولة، بل أن نُعيد معناها إلى البيوت. أن نُعلّم أبناءنا أن الكلمة عهد، وأن الوعد دين، وأن العمل شرف، وأن الوقار زينة، وأن الاحترام يُكتسب بالأخلاق لا بالاستعراض، وأن الرجل الحقيقي لا يطلب أن يكون محور الأنظار، بل موضع الثقة.

رحم الله آباءً كانوا يربّون أبناءهم على أن الشهامة عادة، وأن المروءة خلق، وأن الهيبة ثمرة الاستقامة، لا ثمرة التصفيق. فقد كانوا يعلمون أن الأوطان لا يبنيها شبابٌ يتنافسون على لفت الأنظار، وإنما يبنيها رجالٌ إذا حضروا حملوا المسؤولية، وإذا غابوا تركوا أثرًا لا صورة.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يراجع كل واحدٍ منا نفسه من أجله.. هل نحن نُنشئ جيلًا يطلب الإعجاب، أم جيلًا يستحق الاحترام؟ وهل نربي أبناءنا على أن يكونوا زينةً للكاميرات، أم سندًا للحياة؟

مدار الساعة ـ