مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

زلزال المنطقة وثبات الدينار سر الشيفرة الأردنية التي هزمت الأزمات


الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي

زلزال المنطقة وثبات الدينار سر الشيفرة الأردنية التي هزمت الأزمات

الدكتور  جاسر عبدالرزاق النسور
الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي
مدار الساعة ـ

في أوقات الأزمات، لا تقتصر مسؤولية الدولة على اتخاذ القرارات، بل تمتد إلى إدارة الثقة فالاقتصاد لا يقوم على الأرقام وحدها، بل على الرسائل التي تعزز ثقة المواطنين والمستثمرين، وتؤكد قدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع التحديات بثبات.

من هنا جاءت الدعوة إلى أن يكون البنك المركزي في واجهة المشهد خلال المرحلة الراهنة، باعتبار أن استقرار الدينار والسياسة النقدية يمثلان ركيزة أساسية من ركائز الأمن الاقتصادي، خصوصاً في ظل ما تشهده المنطقة من توترات متصاعدة.

غير أن هذه الفكرة تقودنا إلى حقيقة أكثر رسوخاً؛ إن قوة البنك المركزي الأردني لم تكن يوماً رهن زيارة رسمية أو مؤتمر صحفي، بل هي نتاج عمل مؤسسي متراكم، وسياسة نقدية اتسمت بالحكمة، والانضباط، والاستقلالية.

لقد مر الأردن، خلال العقد الماضي، بمحطات عصيبة؛ من تداعيات الربيع العربي، إلى جائحة كورونا، مروراً بحرب غزة، والحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من ارتفاع في أسعار الطاقة والغذاء واضطراب سلاسل التوريد، وصولاً إلى التوترات العسكرية الراهنة. وفي كل هذه الأزمات، حافظ الدينار الأردني على استقراره، وبقي القطاع المصرفي متيناً، واستمرت الاحتياطيات الأجنبية عند مستويات عزّزت الثقة بالاقتصاد الوطني.

وهذا النجاح لم يكن وليد صدفة بل جاء نتيجة إدارة نقدية حذرة أثبت البنك المركزي من خلالها في كل محطة أنه أحد أهم ركائز الاستقرار النقدي و الاقتصادي والمالي في المملكة، مع التزامه باستقلاليته ومهنيته العالية.

وإذا كان رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان معروفاً بنهجه القائم على العمل الهادئ والمتابعة المباشرة، بعيداً عن استعراض الملفات إعلامياً، فإن غياب الظهور الإعلامي لا يعني غياب المتابعة، بل قد يكون مؤشراً على ثقة راسخة بالمؤسسات، وحرصاً على أن تتحدث المؤشرات والنتائج قبل أي تصريح.

فعلى الصعيد النقدي، قدّم البنك المركزي نموذجاً في إدارة السياسة النقدية، من خلال المحافظة على استقرار سعر صرف الدينار مقابل الدولار، وتوفير السيولة من العملات الأجنبية، واستمرار فتح الاعتمادات المستندية، وهي خطوات حافظت على انسيابية التجارة، وعزّزت ثقة القطاع الخاص، ورسّخت الاستقرار المالي في ظل ارتفاع منسوب المخاطر.

كما تولّى رئيس الوزراء بالتنسيق مع محافظ البنك المركزي ووزير الدولة للشؤون الاقتصادية ووزير المالية ووزير الطاقة، متابعة تطورات أسواق الطاقة، والأمن الغذائي، وسلاسل التوريد وحركة الأسواق، بما أتاح سرعة اتخاذ القرارات، والحد من انعكاسات الأزمة على الاقتصاد الوطني.

تثبت هذه التجربة أن إدارة الأزمات لا تبدأ عند وقوعها، بل هي ثمرة عمل استباقي يومي، يقوم على الرصد المستمر، وتقدير المخاطر، وبناء سيناريوهات بديلة، وتوزيع الأدوار بدقة فالتفوق في مواجهة الطوارئ لا ينبع من قرارات آنية، بل من ثقافة مؤسسية متجذرة في التخطيط، والاستعداد الدائم، والعمل الجماعي المتواصل.

الحروب تكشف معادن الدول، ليس بحجم إمكاناتها فحسب، بل بقدرتها على إدارة المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات. وهنا قدّم الأردن تجربة تستحق التأمل، لأنها أبرزت قيمة العمل المؤسسي، وسرعة التنسيق، واستباق الأحداث. فحين تتكامل السياسة مع الاقتصاد، والأمن مع الإدارة، يصبح الحفاظ على الاستقرار نتيجة طبيعية، حتى في أكثر البيئات الإقليمية اضطراباً.

ويبقى الدرس الأهم أن الاستثمار في بناء المؤسسات، وتعزيز جاهزيتها، ووضوح توزيع المسؤوليات، هو الضمانة الحقيقية لعبور الأزمات فالتحديات الإقليمية قد تتغير، لكن الدول التي تمتلك مؤسسات قوية ورؤية استباقية تظل الأكثر قدرة على حماية أمنها، وصون اقتصادها، والحفاظ على ثقة مواطنيها.

يتردد حديث البعض عن ارتفاع الأسعار، وأنا أقر بهذا الارتفاع، لكن الإنصاف يقتضي القول إن هذا الارتفاع لم يقتصر على الأردن، بل اجتاح العالم بأسره، نتيجة حروب متعددة الجبهات من غزة إلى أوكرانيا إلى إيران ، واضطرابات في حركة التجارة البحرية، وارتفاع جنوني في تكاليف النقل، ، بل إن الدول العظمى نفسها تعاني من تداعيات هذه الأزمة الخانقة .

وبصفتي ممن عملوا في البنك المركزي، أدرك جيداً ما يعنيه التصريح بموضوع الدينار وما يحمله من تداعيات. لذلك أؤكد أن الجولات الميدانية والتصريحات الإعلامية حول الدينار، وإن كانت تحمل قيمة، تبقى أقل أثراً من استقرار السياسات، ومتانة الجهاز المصرفي، وحجم الاحتياطيات، وثقة الأسواق. فالمظهر الإعلامي المفرط قد يفتح الباب أمام التكهنات، بينما العمل الصامت والجاد هو الأجدى، وكما قيل؛ استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان.

ورغم كل ما تشهده المنطقة من نيران وحصار، يبقى الدينار الأردني عنواناً للثبات، وقصة نجاح لا تكتبها التصريحات، بل تصنعها المؤسسات.

مدار الساعة ـ