مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس وظائف للأردنيين مجتمع تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لا حياة بدون كرامة


المحامي انس عبدالكريم شطناوي
امين سر نقابة المحامين / الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب

لا حياة بدون كرامة

المحامي انس عبدالكريم شطناوي
المحامي انس عبدالكريم شطناوي
امين سر نقابة المحامين / الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب
مدار الساعة ـ

في صمت الحياة اليومي، حيث يظن الإنسان أن العطاء سيُقابل بالوفاء، تفاجئه الأيام بأن أكثر الجروح إيلاماً تأتي من أيادٍ كان هو من رعاها ورفعها من غياهب النسيان إلى منصات الحياة الكريمة. ليست هذه مجرد صدفة عابرة، بل هي واحدة من أشد تناقضات النفس البشرية تعقيداً، حين يلتقي الإحسان بالنكران، ويتحول العطاء المتواصل إلى أرض خصبة لاختلاق الأوهام، فإذا بمن بنى باليمين يُهدم بالشمال، وإذا بمن مدّ جسور العون يُلقى في مياه الجحود.

وفي خضم معارك الحياة، حيث يسعى الإنسان بكل جهد ليؤمن لأسرته حياة آمنة ومكانة مستقرة، يفاجأ بأن ميدان كفاحه نفسه قد تحوّل إلى ساحة تُحاك فيها خيوط الغيرة وحب التملك، وتُنسج فيها روايات لا أصل لها في الواقع، ولا أساس لها من الصحة. تتراكم الشكوك في غفلة التعب، وتتسلل إلى النفس في لحظات الضعف، فتنمو وتكبر حتى تغدو حقائق مزيفة، تُحاكم بها القلوب قبل العقول، وتُقطع بها الأوصال دون بينة ولا برهان.

أشد ما يؤلم، أن تجد تلك الطعنات تأتي من أناس كنت سبباً في وجودهم، ومنحتهم اسماً ومكانة، وأخذت بأيديهم إلى فضاءات العيش الكريم بعدما كانوا في عالم النسيان. هنا يتجدد السؤال هل أصبح بناء الآخرين خطيئة تستوجب العقاب؟ أم أن بعض النفوس لا تعرف كيف ترد الجميل، فترد الإساءة بدلاً من الإحسان؟

إنها النفس الضعيفة، حين تعجز عن مجاراة العطاء، تلجأ إلى أساليب ملتوية، فتخترع خيانات وهمية، وتفتري باتهامات باطلة، ثم تبث سمومها في الأجواء بذرائع تأمريه لا تمت للحقيقة بصلة. تدور في فلكها المريض، فتظن أنها بذلك تحمي ذاتها، وهي في الحقيقة تهدم أوثق العلاقات، وتقطع أصلب الأواصر الإنسانية والشرعية، وتضخ الكذب بسرعة مذهلة حتى يصبح صدى تلك الروايات المسمومة حقيقةً مزيفة في أذهان الآخرين.

وعندما تأتي لحظة المواجهة، وتُعرض الحقائق كما هي، يصطدم الزيف بواقعه، وتتبدد الأوهام كفقاقيع الهواء. عندها يقف المرء أمام مفترق طرق: إما أن يلتزم بالاستقامة فيواجه، أو يتصلب في موقفه فيُصبح شماعة تعلق عليها التهم والاتهامات. لكن من يختر الصدق يدرك أن رفض الخنوع والتزوير هو البداية الحقيقية لاستعادة التوازن، وأن الاستقامة وحدها هي الطريق إلى النجاة.

في النهاية، تبقى الكرامة هي الحصن المنيع، والصخرة التي تتحطم عليها كل أكاذيب الزمن. هي ليست رد فعل غاضباً عابراً، ولا انفعالاً لحظياً، بل موقف مبدئي أخلاقي حاسم، يفرضه الشرع والعقل والعرف. إنها الأرض الصلبة التي تقف عليها حين ترتجف الأرض من حولك، وهي البوصلة التي تعيدك إلى ذاتك حين تحاول الأوهام أن تسلبك هويتك.

بالتمسك بالكرامة، تعلن للجميع أن الزيف مهما ارتدى حلّة الصدق يبقى زيفاً، وأن الحقائق المزيّفة مثل الفقاقيع، مهما كبرت في حجمها، فهي سرعان ما تتبدد حين تصطدم بصخرة الواقع. إنها ليست مجرد دفاع عن النفس، بل هي إعلان أن الحياة لا تُعاش بلا احترام، وأن النفس التي لا ترضى بالهوان، هي وحدها الجديرة بالبقاء في زمن تتلاطم فيه الأمواج، وتكثر فيه الأيادي التي تتحول إلى خناجر.

مدار الساعة ـ