مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم
مدار الساعة ـ

أكثر ما يلفتني في السلوك الإيراني أنه لا يكتفي بإطلاق الصواريخ بل يحرص قبل ذلك على إطلاق الروايات.

فطهران تدرك أن الحرب الحديثة لا تُحسم دائماً في الميدان وإنما قد تُحسم في عقول الناس. ولهذا فإنها تتقن صناعة الخطاب الذي يخلط بين المبادئ والمصالح وبين فلسطين ومشروعها الإقليمي،ط وبين المقاومة والتوسع السياسي.

إنها تريد أن تجعل كل من يرفض مشروعها يبدو وكأنه يقف في الجهة المقابلة لفلسطين وكأن القضية الفلسطينية أصبحت ملكية حصرية لإيران تمنحها صكوك الوطنية وتوزع من خلالها شهادات الشرف والخيانة. وهذه ليست سياسة بل عملية تضليل ممنهجة تستهدف وعي الشعوب قبل أن تستهدف حدود الدول.

أنا لا أقبل أن تتحول فلسطين إلى أداة تستخدمها أي دولة لتبرير عدائها للعرب. فلسطين قضية عادلة قبل أن يولد النظام الإيراني الحالي، وستبقى قضية عادلة بعد كل الأنظمة. أما أن يصبح الخلاف مع إيران مرادفاً للتخلي عن فلسطين فذلك من أكثر عمليات الابتزاز السياسي التي شهدتها المنطقة.

فمن يريد نصرة فلسطين لا يحتاج إلى استهداف الأردن ولا إلى تهديد أمن الخليج والاعتداء عليه، ولا إلى الاستثمار في الفوضى العربية. الدولة التي تحمل قضية عادلة لا تصنع لنفسها خصومات مع محيطها العربي ولا تحوّل العواصم العربية إلى ساحات لتصفية حساباتها مع الولايات المتحدة أو غيرها.

ولهذا فإنني أرى أن إيران لا تخوض معركة عسكرية فقط بل تخوض معركة لإعادة تشكيل الإدراك العربي. فهي تعرف أن إسقاط الدولة يبدأ بإسقاط الثقة، وأن الطريق إلى إضعاف أي وطن يمر أولاً عبر التشكيك بمؤسساته الوطنية، وفي مقدمتها الجيش.

ولذلك فإن الحملات الإعلامية التي تستهدف الجيش العربي الأردني ليست صدفة وليست رد فعل عابر في مواقع التواصلالاجتماعي، وإنما جزء من استراتيجية ترى أن الجيوش الوطنية هي العقبة الحقيقية أمام المشاريع الإيرانية العابرة للحدود.

لكن ما يبدو أن طهران لم تدركه هو أنها اختارت الدولة الخطأ. فهي تراهن على كسر العلاقة بين الأردنيين وجيشهم، بينما هذه العلاقة ليست علاقة إعلام أو دعاية، وإنما علاقة تاريخ وهوية وثقة متبادلة.

الجيش العربي -الأردني- لم يكتسب مكانته بالشعارات الوهمية بل بناها عبر عقود طويلة من الانضباط والاحتراف والتضحية والالتزام المطلق بعقيدة وطنية واضحة لا تعرف إلا الأردن، ولا تقدم عليه مشروعاً ولا تنظيماً ولا أيديولوجيا ولا ولاءً خارج حدوده. ولهذا فإن كل حملة تستهدف الجيش لا تؤدي إلا إلى نتيجة معاكسة لأنها تصطدم بحقيقة يعرفها الأردنيون جيداً ولا تحتاج إلى من يشرحها لهم.

وأقولها بكل قناعة إن أخطر خطأ استراتيجي ترتكبه إيران هو اعتقادها أن الصخب الإعلامي يمكن أن يهزم مؤسسة قامت على الشرف العسكري والانضباط الوطني. فالجيش العربي -الأردني- ليس جيشاً موسمياً ولا جيشاً عقائدياً يخدم مشروعاً سياسياً بل هو جيش دولة وهذه هي نقطة قوته الحقيقية. عقيدته حماية الوطن، والدفاع عن سيادته، وصون أمنه، وتنفيذ واجبه الدستوري بكل احتراف. ولهذا يحظى بثقة مطلقة من جلالة الملك عبدالله الثاني، القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما يحظى بثقة الأردنيين الذين يرون فيه الضامن الأول لاستقرار دولتهم، وليس مجرد مؤسسة تحمل السلاح.

أما على المستوى الدولي والإقليمي فإن احترام الجيش الأردني ليس مجاملة دبلوماسية بل حقيقة صنعتها سنوات طويلة من المهنية والانضباط والتعاون العسكري مع مختلف دول العالم. علاقاته الثنائية الواسعة ومشاركاته الدولية وسمعته الاحترافية جعلته واحداً من أكثر الجيوش احتراماً وثقة في المنطقة.

في المقابل تبدو إيران وكأنها تصر على توسيع دائرة خصوماتها العربية، وكأنها تعتقد أن استعداء الأردن ودول الخليج سيمنحها أوراق قوة في صراعها مع الولايات المتحدة. وهذا رهان خاسر سياسياً قبل أن يكون خطأً استراتيجياً. فمن يقامر بعلاقاته مع الدول العربية تحت وهم تحقيق مكاسب إقليمية، ينتهي إلى خسارة البيئة التي يدّعي الدفاع عنها. فلا أحد يستطيع أن يُقنع العرب بأنه يدافع عن فلسطين، بينما يوجه حملاته السياسية والإعلامية والأمنية والعسكرية نحو العواصم العربية.

الأردن لا يحتاج إلى من يمنحه شرعية وجيشه لا يحتاج إلى من يشهد له بالكفاءة. الشرعية الأردنية بُنيت من الداخل والثقة صُنعت بالتاريخ والاحترام تحقق بالفعل وليس بالشعار.

ولذلك فإن كل حملة إيرانية تستهدف الجيش العربي -الأردني- لن تغيّر قناعة الأردنيين بل ستؤكد مرة أخرى أن عجز كسر الأردن إيرانياً هو سبب استهدافها نفسياً وإعلامياً. لكنهم ينسون حقيقة بسيطة أن الشعب الذي يقف خلف جلالة الملك وخلف المؤسسة العسكرية الأردنية لا يُهزم وأن الجيش الذي يحمل عقيدة وطنية صلبة لا تُربكه الدعاية الإيرانية ولا تُخيفه الشعارات ولا تنال منه مشاريع تُبنى على الوهم أكثر مما تُبنى على القوة.

مدار الساعة ـ