مدار الساعة - كتب المحامي الدكتور محمد حسين المجالي (أستاذ القانون الإداري والدستوري كلية الحقوق جامعة الزيتونة الأردنية) -
إن الحصانة البرلمانية في الفكر الدستوري المعاصر ليست حقًا شخصيًا للنائب، ولا امتيازًا يرفعه فوق سلطان القانون، وإنما هي ضمانة مؤسسية أُقرت لحماية الوظيفة النيابية من التدخل أو التعسف الذي قد يعرقل أداءها. ومن ثم، فإن نطاقها يجب أن يظل محصورًا في الحدود التي استهدفها المشرع الدستوري، فلا يجوز التوسع في تفسيرها أو القياس عليها بما يفضي إلى إنشاء حصانات لم يرد بها نص. فالاستثناءات الدستورية تفسر تفسيرًا ضيقًا، لأن الأصل هو خضوع الجميع لأحكام الدستور والقانون على قدم المساواة، ولأن الحصانة، بوصفها استثناءً من هذا الأصل، لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لتعطيل العدالة أو الحد من نفاذ الأحكام القضائية.ويترتب على ذلك أن الحكم القضائي القطعي لا يمثل مجرد إجراء من إجراءات الملاحقة الجزائية، وإنما هو عنوان للحقيقة القانونية بعد استنفاد جميع وسائل الطعن المقررة قانونًا، بما يسبغه بحجية تعلو على المراكز القانونية المتنازع عليها، وتجعله واجب الاحترام والتنفيذ من جميع سلطات الدولة وأفرادها. فتنفيذ الأحكام القضائية ليس إجراءً إداريًا أو خيارًا سياسيًا، وإنما هو امتداد طبيعي للولاية القضائية، وبدونه تغدو الأحكام القضائية مجرد إعلانات نظرية لا أثر عملي لها، بما يهدر مبدأ سيادة القانون وينتقص من استقلال السلطة القضائية، ويخل بالتوازن الدستوري القائم على احترام كل سلطة لاختصاصات السلطات الأخرى.وانطلاقًا من ذلك، فإن المادة (86) من الدستور الأردني لا يجوز تفسيرها على نحو يفضي إلى تعليق تنفيذ حكم قضائي قطعي بحق عضو مجلس الأمة، لأنها وردت لتنظيم الإجراءات الجزائية التي قد تُتخذ في مواجهة النائب أثناء مباشرته لمهامه، ولم تتضمن نصًا صريحًا يجيز وقف تنفيذ الأحكام القضائية النهائية أو تأخير نفاذها. وإذ كان الأصل هو نفاذ الأحكام القضائية، فإن أي قيد على هذا الأصل لا يُفترض ولا يُستنبط بطريق التفسير، وإنما يستلزم نصًا دستوريًا واضحًا وصريحًا. ومن ثم، فإن إضفاء الحصانة على مرحلة تنفيذ الحكم القطعي يُعد إنشاءً لحصانة جديدة لم يقررها الدستور، ويؤدي إلى تحويل الحصانة من ضمانة لحماية الوظيفة البرلمانية إلى وسيلة للإفلات من الآثار القانونية لحكم قضائي بات، وهو ما يتعارض مع فلسفة الدستور، ومبدأ سيادة القانون، وحجية الأحكام القضائية، ويخل بمبدأ الفصل بين السلطات الذي يقوم على احترام كل سلطة لاختصاص السلطة الأخرى وعدم تعطيل آثار أعمالها الدستورية المشروعة.ومما يعزز رأينا في عدم امتداد الحصانة البرلمانية إلى مرحلة تنفيذ الأحكام القضائية القطعية، أن الحصانة في أصلها الدستوري ليست امتيازًا شخصيًا مقررًا للنائب، وإنما هي ضمانة وظيفية تستهدف حماية استقلال السلطة التشريعية وتمكين أعضائها من أداء مهامهم دون خشية من إجراءات كيدية أو تعسفية. ومن ثم، فإن نطاقها لا يجوز أن يتسع ليشمل تعطيل حكم قضائي نهائي صدر بعد استكمال ضمانات المحاكمة العادلة واستنفاد طرق الطعن المقررة قانونًا، إذ إن تنفيذ الأحكام القضائية يمثل أثرًا لازمًا لحجيتها وركنًا أساسيًا في قيام دولة القانون.ومما يؤكد هذا الاتجاه أن عددًا من النماذج الدستورية المقارنة قد أقامت تمييزًا واضحًا بين الحصانة الإجرائية وبين تنفيذ الأحكام القضائية النهائية؛ فقد نصت المادة (68) من الدستور الإيطالي صراحة على استثناء تنفيذ الحكم القضائي النهائي من القيود المتعلقة بتقييد حرية عضو البرلمان، كما استثنت المادة (26) من الدستور الفرنسي حالة الإدانة النهائية من شرط الحصول على إذن مكتب المجلس لاتخاذ التدابير السالبة أو المقيدة للحرية. ويكشف ذلك عن اتجاه دستوري مؤداه أن الحصانة تنتهي حدودها عند الغاية التي شرعت من أجلها، ولا يمكن أن تمتد إلى منح النائب حماية تعطل آثار حكم قضائي بات.وبناءً عليه، فإن تفسير المادة (86) من الدستور الأردني على نحو يحول دون تنفيذ حكم قضائي قطعي بحق عضو مجلس الأمة من شأنه أن يضيف إلى النص قيدًا لم يقرره المشرع الدستوري، وأن يحول الحصانة من ضمانة لحماية الوظيفة النيابية إلى وسيلة لتعطيل سيادة القانون. فالأصل أن الأحكام القضائية النهائية واجبة التنفيذ، ولا يجوز الانتقاص من هذا الأصل إلا بنص دستوري صريح، لأن احترام القضاء وتنفيذ أحكامه ليسا مجرد التزام قانوني عادي، بل هما من المقومات الجوهرية للدولة الدستورية.











