مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

التحكيم الإلكتروني ومستقبل تسوية المنازعات


د. عمر عكاشة المقابلة

التحكيم الإلكتروني ومستقبل تسوية المنازعات

مدار الساعة ـ

يشهد العالم تحولات كبيرة وسريعة . فمع التوسع الكبير في التجارة الإلكترونية، والعمل عن بُعد، والعقود الرقمية، أصبحت المنازعات تنشأ في فضاء إلكتروني لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا باختلاف التوقيت بين الدول. وفي ظل هذا الواقع الجديد، لم يعد من المنطقي أن تبقى وسائل تسوية المنازعات و الإجراءات التقليدية التي قد تستغرق سنوات قبل الوصول إلى حكم نهائي. لحل وتسوية النزاع.

من هنا تظهر أهمية التحكيم الإلكتروني كأحد أبرز ملامح العدالة الرقمية، بحيث لا يمثل مجرد استخدام للتقنيات الحديثة في إدارة النزاع، وإنما يعكس تحولًا في فلسفة العدالة نفسها، بحيث تصبح أكثر سرعة ومرونة وأقل تكلفة، دون الإخلال بحقوق الأطراف أو ضمانات التقاضي العادل.حيث ان التحكيم الإلكتروني يقوم على استخدام وسائل الاتصال الحديثة في جميع مراحل الخصومة، ابتداءً من الاتفاق على التحكيم، مرورًا بتبادل المذكرات والمستندات وعقد جلسات الاستماع عبر تقنيات الاتصال المرئي، وانتهاءً بإصدار الحكم وتبليغه إلكترونيًا.

وعند الاطلاع على تجارب الدول التي اخذت بهذا النموذج الذي يعمل على اختصار الوقت والجهد، سيما في المنازعات التجارية التي تتطلب سرعة في الحسم للحفاظ على استقرار المعاملات الاقتصادية. تجد ان التحكيم الإلكتروني يزيل كثيرًا من العقبات التي كانت تواجه الأطراف في التحكيم التقليدي، فلا حاجة للسفر، ولا لتحمل نفقات مرتفعة، كما يمكن للأطراف والخبراء والمحكمين المشاركة من دول مختلفة في الوقت ذاته، وهو ما يعزز من كفاءة إجراءات الفصل في النزاع.وعلى الرغم من هذه المزايا، فإن نجاح التحكيم الإلكتروني لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يحتاج إلى بيئة تشريعية متطورة تواكب هذا التحول.

فما زالت الكثير من التشريعات تشترط الكتابة التقليدية أو التوقيع الورقي في بعض الإجراءات، الأمر الذي يثير تساؤلات حول حجية المستندات الإلكترونية وصحة التوقيعات الرقمية وآليات حماية البيانات والسرية الإلكترونية. ولا بد من الاشارة الى ان التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا جديدة أمام مستقبل التحكيم الإلكتروني. فهذه التقنيات ستسهم في تنظيم الملفات، وتحليل السوابق التحكيمية، واستخلاص النقاط القانونية المشتركة، الى ان تصل إلى مستوى تقديم أدوات تساعد المحكم على إدارة الدعوى التحكيمية بارتقاء عالي وموضوعية أكبر، مع بقاء القرار النهائي مسؤولية بشرية تضمن العدالة والاستقلال والحياد. وفي وطننا الحبيب ، تبدو الفرصة كبيرة جدآ لتعزيز هذا الاتجاه، خاصة في ظل الجهود الحكومية الرامية إلى التحول الرقمي وتطوير الخدمات الاقتصادية والقضائية والإدارية والتشريعية .

ولكن نجاح هذه الخطوة يتطلب اعادة النظر في التشريعات ذات العلاقة، وتوفير بنية تقنية آمنة، وتدريب وتأهيل المحكمين والمحامين والقضاة للتعامل مع التقنيات الحديثة بكفاءة عالية.

وعلية فإن مستقبل تسوية المنازعات لن يكون قائمًا على استبدال العدالة بالتكنولوجيا، وإنما يكون بتوظيف التكنولوجيا لخدمة العدالة. لان التحكيم الإلكتروني ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق عدالة أكثر سرعة وفاعلية، تتناسب مع طبيعة الاقتصاد الرقمي الذي يشهده العالم اليوم. وعطفآ ما سبق ، فإننا نرى بأن الدول التي تستثمر مبكرًا في تطوير منظومة التحكيم الإلكتروني لن تكسب فقط سرعة الفصل في المنازعات، وإنما ستعزز ثقة المستثمرين، وترفع من تنافسية بيئة الأعمال، وتؤكد أن العدالة قادرة على مواكبة العصر دون أن تتخلى عن مبادئها الراسخة. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي ينبغي أن تعمل عليه المؤسسات التشريعية والقضائية خلال السنوات المقبلة.

مدار الساعة ـ