مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لعنة التصنيفات: لماذا نلهث خلف سراب أكاديمي؟!


د. مصطفى التل

لعنة التصنيفات: لماذا نلهث خلف سراب أكاديمي؟!

مدار الساعة ـ

في الأردن كما في كثير من دول "الجنوب العالمي"، تحولت تصنيفات الجامعات العالمية من مجرد أداة استرشادية إلى هوس مؤسساتي ورسمي، يفرض نفسه على قرارات التوظيف، وتوزيع التمويل، بل وحتى على تصورنا لمعنى "الجودة" في التعليم العالي.

هذا الهوس الذي ناقشته في كتاباتي تحت مفهوم "لعنة التصنيفات"، ليس مجرد انشغال بأرقام بل هو إعادة إنتاج للاستعمار المعرفي، وتحويل للجامعات من معاقل للفكر النقدي إلى مصانع للورق البحثي وتضييع للفرص الحقيقية لخدمة المجتمع المحلي.

تصنيفات مثل QS وTimes Higher Education وشنغهاي، التي ننظر إليها كـمحك موضوعي ليست كذلك في الحقيقة , تعتمد هذه التصنيفات في جوهرها على معايير تُعكس نموذج الجامعة الغربية الباحثة، وتُعطي وزناً كبيراً لعوامل مثل السمعة الأكاديمية وسمعة أصحاب العمل، وهي استبيانات ذاتية، تميل بطبيعتها لصالح الجامعات العريقة في الشمال العالمي التي بنت سمعتها على مدى قرون.

كما تعتمد على الاستشهادات بالأبحاث وهذا يعاقب الجامعات التي تُجري أبحاثاً حول قضايا محلية كالتغير المناخي في الأردن أو دراسات المجتمع المحلي، لأن هذه الأبحاث غالباً ما تُنشر بالعربية أو في مجلات إقليمية لا تحظى باهتمام قواعد البيانات الغربية مثل Scopus وWeb of Science. إضافة إلى ذلك، تُعطي نسب أعضاء هيئة التدريس والطلاب الدوليين وزناً، وهي معايير لا يمكن لجامعاتنا الفقيرة مادياً أن تنافس فيها جامعات تمتلك تمويلاً خرافياً.

نتيجة هذه المعايير هي خلق ساحة لعب غير متكافئة حيث تولد جامعات الشمال بأفضليات تاريخية ومالية، بينما تُحكم على جامعاتنا أيّاً كان أداؤها بأن تظل في ذيل القائمة.

وكما أشارت دراسة نقدية دولية فإن 60% من معايير تصنيف مركز تصنيف الجامعات العالمي تُقاس بإنجازات متراكمة عبر أجيال، مما يعني أنها تقيس الماضي، وليس الحاضر أو المستقبل، وتجعل من المستحيل على جامعات ناشئة في الجنوب أن تنافس.

ما حدث في إعلان مركز الدراسات الاستراتيجية الأردني الأخير والذي اشترط درجة الدكتوراه من جامعة ضمن "أول 500 عالمياً" لوظيفة باحث مساعد، ليس حالة معزولة، بل هو تجسيد حي لهذه اللعنة , حين تُشترط مثل هذه المعايير فإن المركز و دون وعي منه يعترف بشرعية هذا النظام الجائر، ويُقصي باحثين أردنيين مؤهلين من جامعات وطنية وعربية عريقة، لمجرد أنها خارج التصنيف.

هذا الشرط يعكس أزمة ثقة في المنتج المحلي وتحويلاً لبوصلة التوظيف من الكفاءة الفعلية والقدرة على تحليل الواقع المحلي، إلى الانبهار بالشهادة الغربية، وكأنها عصا سحرية تضمن الجودة.

بل إنه يكرس ظاهرة "التبعية المعرفية" التي أحذر منها في الكثير من كتاباتي حيث يُفترض أن المعرفة المنتجة في جامعات الشمال هي الأرقى، ويتم تجاهل الخبرات والسياقات المحلية التي هي في صلب العمل البحثي في تخصصات كعلم الاجتماع والقانون والاقتصاد.

الخطر الأكبر من هذا الهوس ليس مجرد حرمان باحثين من وظائف، بل هو إعادة تشكيل هوية الجامعات ذاتها , فعندما تصبح "الترقية في التصنيف" هدفاً استراتيجياً، يتحول البحث العلمي إلى سلعة، فيصبح هدف الباحث هو النشر في مجلات "مصنفة" لرفع الاستشهادات، وليس لإيجاد حلول لأزمة المياه، أو البطالة، أو الفقر.

الأبحاث التي تخدم المجتمع وتُكتب بالعربية، تُهمل لأنها لا تدر نقاطاً في سباق التصنيف , كما تتراجع جودة التدريس حيث تُستنزف الموارد في جذب "باحثين نجوم" لرفع المؤشرات، بينما يُهمل تطوير المناهج وتحسين جودة التعليم، مما يخلق فجوة حقيقية بين مخرجات الجامعات واحتياجات السوق.

والأخطر من ذلك هو تجانس الجامعات وفقدان هويتها فالضغط لتحقيق نفس المعايير يؤدي إلى طمس الهوية الخاصة لكل جامعة، وتقليد نموذج الجامعة الغربية، بدلاً من التخصص في مجالات تخدم الاقتصاد والمجتمع المحلي، وهو ما يُعرف بـ "التشابه المؤسسي".

لا يعني نقد التصنيفات دعوة للانغلاق بل هو دعوة لاستعادة السيادة الأكاديمية، وتحديد معايير الجودة بما يتناسب مع سياقنا الوطني واحتياجات مجتمعنا.

هناك نماذج ناجحة في هذا الاتجاه فالهند طورت إطارها الوطني للتصنيف الذي يركز على التدريس والتعلم والوصول والشمولية والإدراك، مما يقيّم الجامعات على مساهمتها في تنمية البلاد وليس على معايير غربية بحتة.

أما ماليزيا فنظامها يُعطي وزناً كبيراً لجودة التدريس، وتوظيف الخريجين، والمشاركة المجتمعية، إلى جانب الأداء البحثي.

بل إن جامعات كبرى مثل السوربون في باريس وييل وهارفارد في أميركا، انسحبت من بعض التصنيفات، معللة ذلك بأنها تقوّض القيم الجوهرية للجامعة وتشجع على الممارسات غير الأخلاقية.

لقد حان الوقت لأن تتخذ مؤسساتنا بدءاً من مركز الدراسات الاستراتيجية وحتى وزارة التعليم العالي، خطوة جريئة : التوقف عن كوننا "متلقين" لمعايير الجودة، وأن نصبح "منتجين" لها.

ولا يعني ذلك رفض الانفتاح الدولي بل يعني أن نضع لأنفسنا أولوياتنا، وأن نقيس نجاح جامعاتنا بقدرتها على تخريج كفاءات تحل مشكلاتنا، وتقديم أبحاث تخدم تنميتنا، والمساهمة في بناء مجتمع معرفي عادل ومزدهر , وإلا فسنبقى نلهث خلف سراب، ونُضيّع فرصاً حقيقية في طريقنا.

مدار الساعة ـ