مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

'بترا'... حارسة الرواية الوطنية


رشدي القرالة
صحفي أردني

'بترا'... حارسة الرواية الوطنية

رشدي القرالة
رشدي القرالة
صحفي أردني
مدار الساعة ـ

ثمة مؤسسات يُقاس عمرها بما تركته في الوعي الوطني من أثر، وبما رسخته في وجدان الناس من ثقة.. وكالة الأنباء الأردنية "بترا" واحدة من تلك المؤسسات التي كانت شاهداً على تاريخ الأردن وأحد كتّابه الأمناء، وراوية أمينة لمسيرته، وحافظة لذاكرته، وصوتاً حمل صورة الوطن إلى العالم بصدق لا يعرف المواربة، ومهنية لا تقبل المساومة.

منذ انطلاقتها، حملت وكالة الأنباء الأردنية "بترا" رسالة عميقة بأن يكون الخبر مسؤولية وطنية قبل أن يكون مادة إعلامية، وأن تكون الحقيقة غايتها الأولى مهما تبدلت أدوات الإعلام وتسارعت إيقاعاته، ولهذا بقيت، على امتداد عقود المرجعية الإخبارية الأولى في المملكة، والمصدر الذي تُبنى عليه الرواية الوطنية وتستند إليه وسائل الإعلام، ويثق به المتلقي.

وفي عالم باتت فيه الأخبار تُولد وتموت في اللحظة ذاتها، وتتنازع الحقيقة مع سيل جارف من الشائعات والمعلومات المضللة، ازدادت قيمة المؤسسات التي لم تتخل عن بوصلتها المهنية... وهنا تبرز "بترا" بوصفها مدرسة صحفية آمنت بأن السباق الحقيقي هو دقة المعلومة، وأن السبق لا قيمة له إذا افتقد المصداقية، وأن الخبر لا يكتمل إلا بعد أن يمر من بوابة التحقق والتمحيص.

ولأن المؤسسات الحية لا تركن إلى أمجادها، جاءت ذكرى تأسيس وكالة الأنباء الأردنية "بترا" هذا العام لتؤكد أن العراقة لا تعني الجمود، وأن التاريخ لا يُصان إلا بالتجديد... فقد دشنت "بترا" مرحلة جديدة من مسيرتها بإطلاق موقعها الإلكتروني الجديد، في خطوة تتجاوز تحديث الشكل إلى إعادة بناء تجربة إعلامية رقمية أكثر حداثة وفاعلية، تستجيب لاحتياجات جمهور متغير، وتمنح المحتوى الوطني منصة تليق بقيمته، وسرعة تليق بعصره.

وفي إدراك عميق للتحول الذي يشهده الإعلام البصري، أدخلت "بترا" خدمة التصوير الجوي إلى منظومة خدماتها الإعلامية، لتفتح نافذة جديدة يرى من خلالها المتلقي الوطن من زوايا لم تكن مألوفة، حيث تصبح الصورة امتداداً للخبر، ويغدو المشهد لغة أخرى للحقيقة تضيف إلى الكلمة بعداً بصرياً يثري السرد الصحفي ويمنحه مزيداً من التأثير.

ولأن الأمم التي لا تحفظ ذاكرتها تُفرط بجزء من مستقبلها... أطلقت الوكالة منصة "ذاكرة بترا"، المشروع التوثيقي الذي يصون سردية وطن ... مكتبة رقمية للزمن الأردني، تحفظ آلاف الأخبار والصور والوثائق التي وثقت لحظات مفصلية في تاريخ الدولة، لتبقى متاحة للباحث والمؤرخ والإعلامي، ولتظل شاهدة على أن الصحافة حفظ للماضي وصناعة للمستقبل.

ولأن الإعلام لم يعد يُستهلك بالطريقة ذاتها، جاءت خدمة البودكاست أيضاً امتداداً طبيعياً لرؤية "بترا" في الوصول إلى جمهورها عبر منصات أكثر قرباً من أنماط الحياة الحديثة، مقدمة محتوى صوتياً يجمع بين العمق والاختصار، وبين التحليل وسهولة الوصول، ليبقى الخبر حاضراً حيثما كان المتلقي.

غير أن التكنولوجيا مهما بلغت من تطور لا تصنع مؤسسة إعلامية، فالمنصات تتغير، والبرمجيات تتبدل، أما الذي يبقى فهو الإنسان.... ففي "بترا" كان الإنسان دائماً هو الاستثمار الحقيقي، كادر صحفي وإداري وفني راكم الخبرة جيلاً بعد جيل، وحمل رسالة الوكالة بإيمان عميق بأن الصحافة مسؤولية وطنية وأخلاقية... محررون يفتشون عن الحقيقة قبل العنوان، ومراسلون ينقلون الوقائع كما هي، ومصورون يوثقون اللحظة لتبقى شاهداً عليها، وفنيون يجعلون من كل منتج إعلامي عملاً متكاملاً يليق باسم الوكالة.

ولعل أعظم ما حافظت عليه "بترا" عبر مسيرتها الطويلة هو جودة المنتج الإعلامي، فلم تكن يوماً أسيرة كثرة النشر... انحازت إلى قيمة المحتوى، وإلى لغة رصينة، ومعلومة دقيقة، وخبر متوازن يعكس المهنية التي بُنيت عليها الوكالة منذ تأسيسها.

ما تشهده "بترا" اليوم من تطوير وتحديث هو امتداد طبيعي لها، خاصة وأن المؤسسات الكبرى لا تهدم إرثها لتبدأ من جديد وإنما تبني فوقه طابقاً جديداً من الإنجاز، مستندة إلى جذور راسخة ورؤية تستشرف المستقبل.

وفي ذكرى تأسيس مؤسستي الغالية "بترا" أحتفل وزملائي بما صنعه الرعيل الأول الذي تعاقب على الوكالة وما رسخه من ثقة، وما كتبه في سجل الوطن.

"بترا"... ستظل كما كانت دائماً صوت الحقيقة وذاكرة الوطن ومنارة للإعلام الوطني الذي يؤمن بأن الكلمة الصادقة قيمة باقية ورسالة لا تنتهي.

مدار الساعة ـ