في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الثورة الرقمية والتطور التكنولوجي، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في دور القانون ووظيفته في المجتمع، ليس بوصفه أداة لتنظيم الواقع فحسب، بل باعتباره عنصرًا فاعلًا في صناعة المستقبل. ومن هذا المنطلق، جاء مؤتمر كلية القانون في جامعة اليرموك بعنوان "التقنيات الأردنية في خمسين عامًا: القانون بين الاستجابة للتغير وإحداث التحول" ليشكل منصة علمية للحوار حول مسيرة التطور التقني في الأردن، وانعكاساته على المنظومة القانونية والتشريعية.
يمثل هذا المؤتمر محطة مهمة في قراءة العلاقة بين التكنولوجيا والقانون، إذ إن التطورات التقنية المتلاحقة فرضت تحديات جديدة أمام المشرّع ورجل القانون، وأوجدت مجالات قانونية حديثة تتطلب تشريعات قادرة على مواكبة المتغيرات، وحماية الحقوق، وتحقيق التوازن بين متطلبات الابتكار وضمانات العدالة.لقد شهد الأردن خلال العقود الخمسة الماضية تطورًا ملحوظًا في استخدام التقنيات الحديثة في مختلف القطاعات، بدءًا من التحول الإلكتروني في مؤسسات الدولة، وصولًا إلى الخدمات الرقمية والبيانات والذكاء الاصطناعي. وقد انعكس هذا التطور على العمل القانوني والقضائي، حيث أصبحت الحاجة ملحة إلى تطوير التشريعات المتعلقة بالمعاملات الإلكترونية، وحماية البيانات، والجرائم الإلكترونية، وغيرها من المجالات التي فرضتها البيئة الرقمية الجديدة.وتناول المؤتمر مفهوم العلاقة المتبادلة بين القانون والتكنولوجيا؛ فالقانون لا يكتفي بملاحقة التغيرات التقنية بعد حدوثها، وإنما يمتلك القدرة على استشراف المستقبل ووضع الأطر التي تساعد على توجيه هذا التطور نحو خدمة الإنسان والمجتمع. ومن هنا تظهر أهمية الانتقال من مرحلة "الاستجابة للتغير" إلى مرحلة "إحداث التحول"، بحيث يصبح القانون قوة داعمة للابتكار والتنمية.كما أكد المؤتمر أهمية تطوير التعليم القانوني بما يتناسب مع متطلبات العصر، من خلال تعزيز المعرفة بالتقنيات الحديثة لدى طلبة القانون والباحثين والممارسين، وإيجاد جيل جديد من القانونيين القادرين على التعامل مع القضايا المستحدثة التي أفرزتها البيئة الرقمية.وتبرز أهمية انعقاد هذا المؤتمر في جامعة اليرموك من خلال دور الجامعات في قيادة الحوار العلمي حول القضايا الوطنية والمستقبلية، وربط المعرفة الأكاديمية بحاجات المجتمع. فالتكنولوجيا والقانون أصبحا مجالين متداخلين لا يمكن الفصل بينهما، وأصبح نجاح أي مشروع للتحول الرقمي مرتبطًا بوجود منظومة قانونية مرنة ومتطورة.إن تجربة الأردن خلال خمسين عامًا من التطور التقني تقدم نموذجًا مهمًا لدراسة كيفية تفاعل التشريع مع التحولات المجتمعية. فالمستقبل يحتاج إلى قانون قادر على حماية المنجزات التقنية، وتشجيع الابتكار، وضمان استخدام التكنولوجيا بطريقة تحقق العدالة وتصون الحقوق والحريات.وفي ضوء ما طرحه المؤتمر من رؤى وأفكار، فإن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار التعاون بين الجامعات والمؤسسات التشريعية والتنفيذية والخبراء في المجال التقني، لبناء بيئة قانونية متقدمة تجعل من التكنولوجيا وسيلة للتنمية، وتجعل من القانون قائدًا للتحول وليس مجرد مستجيب له.ختامًا، فإن رسالة المؤتمر تؤكد أن القانون والتكنولوجيا ليسا مسارين منفصلين، بل شريكان في بناء مستقبل الأردن؛ فكما تغيرت التقنيات خلال خمسين عامًا، فإن قدرة القانون على التطور والتجدد ستظل العامل الأساسي في مواكبة المرحلة القادمة وصناعة تحول إيجابي ومستدام.مؤتمر كلية القانون في جامعة اليرموك.. خمسون عامًا من التقنيات الأردنية… القانون شريك في صناعة التحول
عبد الرحمن ابو نقطة
باحث في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني.
مؤتمر كلية القانون في جامعة اليرموك.. خمسون عامًا من التقنيات الأردنية… القانون شريك في صناعة التحول
عبد الرحمن ابو نقطة
باحث في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني.
باحث في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني.
مدار الساعة ـ