مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحرب 'الخفية' بين تركيا وإسرائيل


د. أحمد بطاح

الحرب 'الخفية' بين تركيا وإسرائيل

مدار الساعة ـ

من المعروف تاريخياً أنّ تركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل، ومعروف أيضاً أنّ علاقة وثيقة جمعت بين البلدين وبالذات في المجال العسكري حيث كان طيارو سلاح الجو الإسرائيلي يتدربون في الأجواء التركية بالنظر إلى محدودية المجال الجوي الإسرائيلي، ولكن ذلك كله تضاءَل تدريجياً حتى كاد أن ينتهي مع وصول حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان في عام 2002، والواقع أن حرباً "خفية" تدور حالياً بين تركيا وإسرائيل كدولتين إقليميتين كبيرتين متنافستين، وقد تجلت هذه الحرب "الخفية" في العديد من المواقف لعلّ أهمها:

أولاً: حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة: حيث عارضتها وعرّتها تركيا وإلى الدرجة التي اتهم فيها "أردوغان" نتنياهو بأنه "هتلر"، كما غضت تركيا الطرف عن قيادات حماس العاملة في تركيا، وكذلك عن المظاهرات الضخمة لأبناء الشعب التركي ضد الجرائم الإسرائيلية، وذلك فضلاً عن إرسال السفن (مثل مرمرة وغيرها) لاختراق الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، ولذا فلم يكن غريباً أن تعارض إسرائيل وجود أية قوات تركية يمكن أن تعمل في قطاع غزة ضمن ترتيبات "مجلس السلام" الذي أنشأه الرئيس الأمريكي ترامب للتعامل مع قضية قطاع غزة.

ثانياً: الأوضاع في سوريا: حيث تبنت تركيا نظام الحكم الجديد بقيادة أحمد الشرع في سوريا بينما لم تثق به إسرائيل ولذا فقد أعلنت عدم اعترافها باتفاقية فك الارتباط (1974) بينها وبين سوريا بل واحتلت ما يزيد عن (350 كم2) من الأراضي السورية الجنوبية، وذلك فضلاً عن تدميرها لمعظم مقدرات الجيش السوري السابق. إنّ إسرائيل لا تريد أن تحتفظ بالأراضي التي تحتلها في جنوب سوريا (فضلاً عن الجولان المحتل منذ عام 1967) فقط، بل تراقب الأوضاع في سوريا عن كثب تخوفاً من أيّ تعاون عسكري مهم بين سوريا وتركيا كخطر محتمل عليها مستقبلاً.

ثالثاً: الصراع على الغاز في شرق المتوسط: حيث بادرت تركيا إلى التفاهم مع ليبيا، بينما عقدت إسرائيل بعض الاتفاقيات حول استخراج الغاز مع قبرص واليونان. إنّ الدراسات والأبحاث حول الغاز في هذه المنطقة تؤكد أنها غنية جداً بالغاز وقد يكفي لاستهلاك الدول المشاطئة لشرق المتوسط عقوداً طويلة فضلاً عن إمكانيات البيع والتصدير ولذا فلا عجب أن تستعر حوله حرب "خفية" بين تركيا وإسرائيل وكل من الدولتين تحاول أن تستقطب دولاً أخرى، بل وتبني تحالفات للظفر بهذه الغنيمة المُجزية.

رابعاً: الصومال: فقد بادرت تركيا إلى بناء أكبر قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها في الصومال، ومن الواضح أن هذه القاعدة هي موطئ قدم لتركيا في إفريقيا بشكل عام، وكرد على هذا "التغلغل" التركي قامت إسرائيل بالاعتراف بما يعرف "بأرض الصومال" وهي منشقة عن الوطن الصومالي ولكنها غاية في الأهمية لإسرائيل حيث سوف تمكنها من مراقبة باب المندب والبحر الأحمر فضلاً عن القرن الأفريقي، ولعلّ ما حصل في سياق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومن قبله الإبادة الجماعية في قطاع غزة من ملاحقة حوثية للسفن الإسرائيلية في البحر الأحمر أكدّ لإسرائيل أهمية "أرض الصومال" بالنسبة لها.

خامساً: الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC): والذي يبدأ من موانئ الهند على بحر العرب وصولاً إلى إسرائيل عبر الإمارات العربية المتحدة والسعودية (عبر السكك الحديدية) والأردن، ومن ثم إلى اليونان وبقية دول الاتحاد الأوروبي، وكرد على هذا المشروع (وإن لم يكن بشكل رسمي بعد)، فقد اقترحت تركيا ما يسمى بطريق التنمية (Development Road Project) وهو يمر من ميناء الفاو العراقي على الخليج العربي، ويعبر العراق شمالاً عبر السكك الحديدية والطرق السريعة وصولاً إلى تركيا ثم من الموانئ التركية على البحر المتوسط والأسود إلى أوروبا، ومن الواضح أن طريق التنمية هذا يتجنب المرور في إسرائيل، وهو يحظى بفرص دعم مالي من قبل قطر والإمارات العربية المتحدة.

سادساً: مقاتلات F35 الأميركية: فمن المعروف أن تركيا تأمل في الحصول على هذه الطائرة الأميركية المتقدمة (للحصول على تقنية المحركات تحديداً) بينما تعارض إسرائيل ذلك لأنها -كما قال نتنياهو صراحةً- تطيح بتوازن القوى في الشرق الأوسط وبتفوق إسرائيل النوعي في المنطقة.

هل من المبالغة في ضوء ما سبق أن نقول بأنّ حرباً "خفية" تدور بين تركيا وإسرائيل فهما يقفان على طرفي نقيض في العديد من القضايا المهمة، وكل ذلك يأتي طبعاً في خضم أحداث مُحتدمة في إقليم شرق أوسطي مضطرب يفرز في كل يوم مُتغيرات جديدة لا يعرف أحد إلى أين ستقود وما الذي يمكن أن تنتهي إليه.

مدار الساعة ـ