لا أدري ما السر في استمرار عجزنا، حتى اليوم، عن تعديل سلوكيات بعض سائقي باصات النقل العام المتوسطة، رغم أن مخالفاتهم أصبحت واضحة ومتكررة أمام الجميع. فقلما تجد بعض هذه الباصات، مهما كان خط سيرها، تلتزم بصورة كاملة بقانون السير، وأصول القيادة، واحترام الشواخص المرورية، وآداب الطريق، والمسارب المخصصة.
وبحكم مروري المتكرر يوميًا واستخدامي للطرق والتقاطعات الممتدة بين الدوار الخامس والسادس والسابع والثامن، ألاحظ، كما توثق الكاميرات وترصد الجهات المعنية، حجم المخالفات التي تتكرر بصورة شبه يومية، حتى أصبحت مشهدًا مألوفًا لا يلفت الانتباه، رغم ما تسببه من إرباك لحركة السير، وإزعاج لمستخدمي الطريق، وأحيانًا تعريض حياتهم للخطر.ومن أبرز هذه المخالفات الوقوف التام على مداخل التقاطعات بانتظار الركاب، في سلوك يؤدي إلى إغلاق أحد المسارب، وتعطيل انسيابية الحركة، وامتداد الاختناقات إلى داخل التقاطع، بما يضاعف من معاناة السائقين ويزيد من الفوضى المرورية.وعلى سبيل المثال، هناك حالة تتكرر بشكل دائم عند مخرج الدوار الخامس باتجاه الدوار السادس، حيث يلاحظ توقف باصات النقل العام المتوسطة بصورة مستمرة في موقع يبدو وكأنه موقف مخصص أو مسموح لها بالوقوف فيه، رغم أن هذا الموقع يشكل عائقًا أمام حركة المركبات الخارجة من التقاطع، ويجبر السائقين على تغيير مساربهم بصورة مفاجئة لتجاوزها، الأمر الذي يرفع احتمالات وقوع الحوادث ويزيد من حالة الارتباك المروري.كما تتكرر ظاهرة توقف بعض الباصات عند مداخل الأنفاق المنتشرة في العاصمة عمان لإنزال الركاب، رغم ما يشكله ذلك من خطورة على حركة السير وإرباك للمركبات القادمة والخارجة من هذه المواقع. كما يلاحظ قيام بعض الباصات بتجاوز المركبات المنتظرة في مساربها، والانتقال بينها بصورة مفاجئة، وكأن لها أولوية خاصة في الطريق، الأمر الذي يحرم الآخرين من حقهم الطبيعي في السير الآمن ويزيد من احتمالات وقوع الحوادث.ولا يقتصر الأمر على هذه الممارسات، بل يمتد إلى عدم الالتزام بالمسارب المخصصة، وقطع الطريق على المركبات الأخرى، والتقاط الركاب أو إنزالهم في مواقع غير مخصصة، وهي سلوكيات متكررة تؤثر على انسيابية المرور وتحتاج إلى معالجة ورقابة أكثر فاعلية.وللإنصاف، فإن هذه المظاهر لا تنطبق على جميع سائقي باصات النقل العام، كما أنها لا ترتبط بخط أو شركة محددة، فهناك سائقون يلتزمون بالقانون ويؤدون عملهم بمهنية واحترام. لكن تكرار هذه السلوكيات في أكثر من موقع وخط يجعلها ظاهرة تستوجب المعالجة الجادة.ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تستمر هذه التجاوزات يومًا بعد يوم؟ هل السبب ضعف الرقابة؟ أم غياب الردع؟ أم عدم تطبيق القانون بالحزم المطلوب؟ وكيف تتحول المخالفات اليومية إلى سلوك اعتيادي وكأنها جزء طبيعي من المشهد المروري؟إن احترام قانون السير ليس خيارًا، بل مسؤولية وواجب على كل مستخدم للطريق، لأنه يرتبط مباشرة بحماية الأرواح والممتلكات. وما يحتاجه المواطن ليس حملات مؤقتة أو إجراءات موسمية، وإنما رقابة ميدانية مستمرة، وتطبيق عادل وحازم للقانون، وإلزام جميع وسائل النقل العام بالوقوف في المواقع المخصصة فقط.وفي المقابل، فإن مشروع الباص سريع التردد داخل العاصمة عمان، وبين عمان والزرقاء، والنقل المنتظم لبعض المحافظات، يمثل خطوة نوعية في تطوير قطاع النقل العام، لما يوفره من حلول عملية لتخفيف الأزمات المرورية، وتحسين جودة التنقل، وتقديم خدمة تتسم بالسرعة والدقة والأمان، إضافة إلى الحد من الاعتماد المفرط على المركبات الخاصة. كما أن التوسع في هذه التجربة وتعميمها على مختلف المحافظات والمدن يمكن أن يسهم في تنظيم حركة النقل العام، وتقليل الفوضى المرورية، والحد من بعض المخالفات والسلوكيات الخاطئة التي ترافق عمل بعض باصات النقل العام المتوسطة، بما ينعكس إيجابًا على السلامة المرورية ويقلل من احتمالات وقوع الحوادث.متى تنضبط باصات النقل العام المتوسطة؟
مدار الساعة ـ