مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

خارطة تحديث القطاع العام.. لماذا لم يصل التحديث إلى المواطن؟


الدكتور بشار الصرايرة

خارطة تحديث القطاع العام.. لماذا لم يصل التحديث إلى المواطن؟

مدار الساعة ـ

لقد انطلقت خارطة طريق تحديث القطاع العام عام 2022 بدعم ملكي سامي باعتبارها أحد أكبر مشاريع الإصلاح الوطني في الأردن، وشكلت الركيزة الثالثة في مسار التحديث الوطني إلى جانب التحديثين السياسي والاقتصادي. وجاءت برؤية طموحة تهدف إلى بناء قطاع عام أكثر كفاءة ومرونة بما ينعكس على جودة حياة المواطن ويعزز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة.

ولا نختلف على أهمية هذه الأهداف، بل إنها تمثل الأساس الذي تقوم عليه الحكومات الحديثة فالإدارة العامة لم تعد تُقاس بحجم أجهزتها أو بعدد موظفيها، وإنما بقدرتها على تقديم خدمات أكثر كفاءة، وإجراءات أكثر بساطة، واستجابة أسرع لاحتياجات المواطنين، لكن أي مشروع إصلاحي وطني، مهما كانت جودة رؤيته، لا يُقاس بما ورد في وثائقه، ولا بعدد المبادرات التي أطلقها، وإنما بما أحدثه من أثر ملموس في حياة الناس.

واليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على إطلاق خارطة تحديث القطاع العام، يصبح من المشروع أن نتوقف أمام حصيلة هذا المشروع الوطني الذي يعتبر أساس التحديث الوطني للدولة، وأن نطرح السؤال الذي ينبغي أن يكون معيار الحكم على نجاحه (هل وصل التحديث فعلاً إلى المواطن؟ هل حققت طموح قيادتنا الحكيمة التي ترعى هذا الإصلاح)

فلو سألنا أي مواطن أردني: ما الذي تغير في تجربتك مع الخدمات الحكومية منذ إطلاق خارطة التحديث؟ هل أصبحت الإجراءات أسرع؟ هل اختفت المعاملات الورقية؟ هل انتهت رحلة جمع الوثائق؟ هل أصبحت المؤسسات الحكومية تتبادل بياناتها فيما بينها دون أن يكون المواطن هو حلقة الوصل؟ قد تكون الإجابة أكثر تعبيراً من عشرات التقارير الرسمية والمؤشرات التراكمية والعددية والتصريحات الإعلامية، لأن نجاح الإصلاح لا يقاس بما تعلنه المؤسسات عن نفسها، بل بما يشعر به المواطن في تعامله اليومي معها.

لقد حملت خارطة التحديث رؤية إصلاحية متكاملة، لكن مراجعة مسار التنفيذ خلال السنوات الماضية تكشف أن الحضور الأكبر في الخطاب التنفيذي والإنجازات المعلنة كان منصباً على مبادرات تتعلق بالموظف الحكومي وهي جميعها ملفات أساسية تدخل ضمن اختصاصات هيئة الخدمة والإدارة العامة ومهامها.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو (هل أصبح تحديث الموظف هو الإنجاز الأكثر حضوراً، بينما بقي تحديث الخدمة التي يتلقاها المواطن أقل حضوراً؟) عملياً فالمواطن لم يكن ينتظر نظاماً جديداً لإدارة الموارد البشرية بقدر ما كان ينتظر نظاماً جديداً لإدارة معاملته، كما لم يكن ينتظر المواطن مؤشرات لقياس أداء الموظفين بقدر ما كان ينتظر مؤشرات تقيس الزمن الذي وفرته الحكومة عليه، ولم يكن ينتظر المزيد من الأدلة التنظيمية بقدر ما كان ينتظر إلغاء الإجراءات التي لم تعد تضيف قيمة.

إن الإصلاح الإداري لا يكتمل عندما تتحسن إدارة المؤسسة من الداخل، وإنما عندما ينعكس هذا التحسن على جودة الخدمة التي يحصل عليها المواطن.

وحتى اليوم، ما تزال كثير من الإجراءات الحكومية تعتمد على دورة عمل تقليدية؛ معاملات ورقية، وتصديقات، وأختام، وموافقات متسلسلة، ووثائق تنتقل مع المواطن بين المؤسسات الحكومية وطلبات من موظفي تقديم الخدمة دون مرجعية وتعتمد على مزاجية الموظف (من تجربتي لإصدار براءة ذمة كانت الاختام سيدة الاجراء وكان يمارس هذه المهمة موظفي الامن والحماية في مكتب خدمة الجمهور دليل ان لا مرجعية لهذا الاجراء) .

وهنا تكمن الفجوة الحقيقية بين فلسفة الإصلاح وواقع التطبيق.

وقد تابعنا خلال الفترة الماضية إطلاق برامج متقدمة لتدريب موظفي القطاع العام على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو توجه يستحق التقدير ويعكس إدراكاً للتحولات العالمية. لكن السؤال الذي يطرحه المواطن يبقى بسيطاً:

كيف نتحدث عن الذكاء الاصطناعي بينما ما تزال بعض الخدمات تعتمد على الورق، والتصديقات، والأختام، وتسلسل الموافقات؟ فالحكومات التي نجحت في تحديث خدماتها لم تبدأ بالتكنولوجيا، وإنما بدأت بإلغاء التعقيد الإداري، وإعادة تصميم الإجراءات، ثم رقمنتها، ثم توظيف التقنيات الحديثة لتعزيز الكفاءة. أما إذا بقيت الإجراءات كما هي، فإن التكنولوجيا لن تفعل أكثر من نقل التعقيد من الورق إلى الشاشة.

ومن اللافت أن البرنامج التنفيذي الثاني لخارطة تحديث القطاع العام وضع في مقدمة أولوياته تحسين الخدمات الحكومية وتحقيق أثر ملموس للمواطن. وهذا توجه مهم، لكنه يثير سؤالاً منطقياً في الوقت نفسه: إذا كانت المرحلة الجديدة تركز على تحقيق الأثر، فأين مؤشرات الأثر التي حققتها المرحلة السابقة؟ كم خدمة أصبحت تُنجز بالكامل دون مراجعة أي مؤسسة؟ كم إجراءً أُلغي؟ كم وثيقة استغنت عنها الحكومة؟ كم ساعة وفرها الإصلاح على المواطنين؟ وأين المؤشرات التي تقيس رضا المواطنين عن الخدمات مقارنة بما كانت عليه قبل إطلاق الخارطة؟ فهذه هي المؤشرات التي تقيس نجاح الإصلاح الحقيقي، لأنها تقيس النتائج، لا الأنشطة.

أما الاكتفاء بالأرقام التراكمية للمبادرات، والورش التدريبية، ونسب الإنجاز التنفيذية، فإنه يعكس حجم النشاط الإداري، لكنه لا يجيب عن السؤال الذي يهم المواطن.

لقد آن الأوان لأن تنتقل خارطة تحديث القطاع العام من التركيز على تحديث الموارد البشرية وهو دور أساسي يومي لهيئة الخدمة إلى التركيز على تحديث تجربة المواطن، ومن قياس أداء المؤسسات إلى قياس الأثر الذي أحدثته في حياة الناس، ومن تطوير الموارد البشرية بوصفها وسيلة، إلى تحسين الخدمات بوصفها الغاية.

ففي النهاية، لن يتذكر المواطن عدد الأنظمة التي أُقرت، ولا عدد المبادرات التي أُطلقت، ولا عدد الموظفين الذين تلقوا تدريباً، وماذا طبق الأمناء العامون من الذكاء الاصطناعي في وزارتهم ...

بل سيتذكر شيئاً واحداً فقط: هل أصبحت معاملته الحكومية أسهل؟ فإذا بقي هذا السؤال بلا إجابة واضحة بعد مرور عدة سنوات على إطلاق خارطة تحديث القطاع العام، فإن الوقت قد حان لإعادة توجيه بوصلة التنفيذ نحو الغاية التي انطلقت الخارطة من أجلها منذ اليوم الأول: أن يشعر المواطن بأن حكومته أصبحت أقرب إليه، وأسرع في خدمته، وأبسط في إجراءاتها، وأكثر قدرة على صناعة قيمة حقيقية في حياته اليومية.

مدار الساعة ـ