يثير اكتساب الحكم الجزائي الصادر بحق النائب حسن الرياطي، والقاضي بحبسه لمدة سنتين، الدرجة القطعية، جملةً من الإشكاليات الدستورية والقانونية التي تتجاوز حدود الواقعة محل التطبيق، لتلامس مسألة دستورية جوهرية تتعلق بمصدر انتهاء العضوية النيابية وطبيعة الأثر القانوني المترتب على تحقق إحدى حالات عدم الأهلية التي نص عليها الدستور. وتكمن أهمية هذه المسألة في تحديد ما إذا كان سقوط العضوية ينشأ بقرار يصدر عن السلطة المختصة، أم أنه يتحقق مباشرة بحكم الدستور، بحيث تقتصر الإجراءات اللاحقة على تنفيذ الأثر الذي رتبه النص الدستوري.
وللإجابة عن هذا التساؤل، يتعين الانطلاق من مبدأ سمو الدستور، باعتباره الوثيقة القانونية الأعلى في الدولة، والمرجع الذي تستمد منه السلطات العامة اختصاصاتها وحدودها. فالمراكز القانونية الدستورية لا تنشأ ولا تنقضي إلا وفق الأحكام التي قررها الدستور، ولا يجوز للتشريع العادي أو للقرارات الصادرة عن السلطات العامة أن تنشئ أثرًا يخالف ما رتبه الدستور أو يعطل نفاذه.وفي هذا الإطار، نصت المادة (75/1/د) من الدستور الأردني على أنه: «لا يكون عضواً في مجلسي الأعيان والنواب من كان محكوماً عليه بالحبس مدة تزيد على سنة واحدة بجريمة غير سياسية ولم يعف عنه.» كما نصت المادة (75/3) على أنه: «إذا حدثت أي حالة من حالات عدم الأهلية المنصوص عليها في الفقرة (1) من هذه المادة لأي عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب أثناء عضويته أو ظهرت بعد انتخابه، تسقط عضويته حكماً ويصبح محله شاغراً.»ويستفاد من هذا التنظيم الدستوري أن المشرع الدستوري الأردني لم يجعل انتهاء العضوية النيابية رهينًا بإرادة أي سلطة من سلطات الدولة، وإنما ربطه مباشرة بتحقق الواقعة التي حددها الدستور. فالحكم الجزائي القطعي لا يستمد أثره من قرار يصدر عن مجلس النواب، كما أن المجلس لا يملك سلطة تقديرية في تقرير سقوط العضوية أو الإبقاء عليها، وإنما يقتصر دوره على مباشرة الإجراءات التي يفرضها الدستور والقانون. ومن ثم، فإن الفقه الدستوري يميز في مثل هذه الحالات بين الأثر الدستوري الذي ينشأ مباشرة من النص، وبين الإجراءات التنفيذية التي تتولى السلطات المختصة اتخاذها لتنفيذ ذلك الأثر، وهو تمييز يجد أساسه في مبدأ السمو الموضوعي والشكلي للدستور وخضوع جميع سلطات الدولة لأحكامه.ويترتب على ذلك أن اكتساب الحكم الجزائي الدرجة القطعية، متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (75) من الدستور، يؤدي إلى تحقق حالة عدم الأهلية الدستورية، فيسقط حق العضوية ويصبح المقعد شاغرًا بقوة الدستور، لتبدأ بعد ذلك المرحلة الإجرائية الخاصة بتنفيذ هذا الأثر وفقًا للقانون.وقد عهد الدستور إلى المشرع العادي بتنظيم كيفية إشغال المقعد الشاغر، وهو ما تولاه قانون الانتخاب لمجلس النواب رقم (4) لسنة 2022. فقد نصت المادة (58/أ/1) على أنه: «إذا شغر أي مقعد من مقاعد الدائرة الانتخابية العامة لأي سبب، يتم إشغال هذا المقعد من المترشح الذي يلي المترشح الفائز في الترتيب من القائمة ذاتها...» ويجسد هذا التنظيم التشريعي فلسفة التمثيل الحزبي التي اعتمدها المشرع، والقائمة على بقاء المقعد ضمن القائمة التي منحها الناخبون ثقتهم، دون الحاجة إلى انتخابات فرعية، ضمانًا لاستقرار التمثيل النيابي واحترام الإرادة الشعبية.وبتطبيق ذلك على الحالة الماثلة أمامنا، فإن المقعد الذي فاز به النائب حسن الرياطي عن القائمة الحزبية العامة لحزب الأمة لا يخرج من إطار تلك القائمة، وإنما ينتقل – بعد استكمال الإجراءات القانونية – إلى المرشح التالي استحقاقًا وفقًا للترتيب الذي أفرزته النتائج النهائية للانتخابات.ولا يغير من هذا التكييف ما ورد في قانون الأحزاب السياسية رقم (7) لسنة 2022، إذ إن هذا القانون ينظم الإطار القانوني لتأسيس الأحزاب وممارسة نشاطها، كما يعالج بعض الآثار المترتبة على استقالة النائب من الحزب أو فصله منه، وهي حالات تختلف من حيث سببها وأساسها القانوني عن حالة فقدان أهلية العضوية الناشئة عن صدور حكم جزائي قطعي، والتي تستمد سندها مباشرة من أحكام الدستور، وتخضع من حيث آثارها الإجرائية لقانون الانتخاب.أما الهيئة المستقلة للانتخاب، فإن اختصاصها في هذه الحالة لا يتعلق بتقرير سقوط العضوية، لأن هذا الأثر يتحقق بقوة الدستور متى توافرت شروطه، وإنما يقتصر دورها، استنادًا إلى المادة (67) من الدستور وقانون الهيئة المستقلة للانتخاب، على تنفيذ أحكام قانون الانتخاب، واتخاذ الإجراءات اللازمة لإعلان فوز المرشح الذي يثبت استحقاقه للمقعد الشاغر بعد استكمال الإجراءات الدستورية والقانونية.وتأسيسًا على ما تقدم، فإن القراءة المتكاملة لأحكام المادة (75) من الدستور والمادة (58) من قانون الانتخاب تقود إلى نتيجة قانونية واضحة، مؤداها أن الدستور هو الذي أنشأ الأثر القانوني المتمثل في سقوط العضوية وشغور المقعد عند تحقق سبب من أسباب عدم الأهلية، بينما اقتصر دور المشرع العادي على تنظيم الآلية الإجرائية اللازمة لتنفيذ هذا الأثر، دون أن يملك إنشاءه أو تعديله أو تعطيله. ويترتب على ذلك أن اكتساب الحكم الجزائي الدرجة القطعية، متى استوفى الشروط التي تطلبها الدستور، يؤدي إلى قيام الحالة الدستورية التي تستوجب تطبيق أحكام المادة (75)، ثم الانتقال إلى المرحلة الإجرائية المنصوص عليها في المادة (58) من قانون الانتخاب لإشغال المقعد بالمرشح التالي استحقاقًا على القائمة ذاتها. ومن ثم، فإن محل البحث في هذه الحالة لا يتعلق بسلطة إسقاط العضوية، وإنما بسلطة تنفيذ الأثر الذي رتبه الدستور على تحقق سبب من أسباب عدم الأهلية، وهو تمييز جوهري يفرضه مبدأ سمو الدستور وتدرج القواعد القانونية، ويكرس مبدأ المشروعية، ويضمن استمرارية المؤسسة النيابية واحترام الإرادة الشعبية التي أفرزتها نتائج الانتخابات.سقوط العضوية النيابية بحكم الدستور: قراءة في الأثر الدستوري والإجراءات القانونية
المحامي الدكتور محمد حسين المجالي
أستاذ القانون الإداري والدستوري المشارك – كلية الحقوق – جامعة الزيتونة الأردنية
سقوط العضوية النيابية بحكم الدستور: قراءة في الأثر الدستوري والإجراءات القانونية
المحامي الدكتور محمد حسين المجالي
أستاذ القانون الإداري والدستوري المشارك – كلية الحقوق – جامعة الزيتونة الأردنية
أستاذ القانون الإداري والدستوري المشارك – كلية الحقوق – جامعة الزيتونة الأردنية
مدار الساعة ـ