مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لغتنا العربية… إعدام الضاد ووأد القاف


عالية علي الزبيدي

لغتنا العربية… إعدام الضاد ووأد القاف

مدار الساعة ـ

لم تعد العربية تُقتل برصاصة، بل تُعدم كل يوم على الهواء مباشرة.

إنها تُذبح بصمت، حرفًا بعد حرف، وكلمةً بعد كلمة، حتى أصبح اغتيال الفصحى مشهدًا يوميًا لا يثير دهشة أحد، وكأن الأمة قد اعتادت رؤية لغتها تُقاد إلى المذبح دون أن تتحرك فيها نخوة أو يغلي فيها ضمير.

نفتح نشرات الأخبار، فنبحث عن الفصحى فلا نجد إلا بقاياها. نبحث عن هيبة اللغة، فنصطدم بحروفٍ مكسورة، وقافٍ تُستبدل بغيرها، وضادٍ تُذبح على مسمع الملايين.

يا تُرى… أين مجامع اللغة العربية؟

أين الذين أُنيطت بهم مسؤولية صون لغة الضاد؟

وأين المؤسسات الإعلامية التي كانت تجعل سلامة اللسان شرطًا لا يُساوَم عليه قبل الوقوف أمام الميكروفون؟

لقد كان المذيع يومًا مدرسةً قائمةً بذاتها. كان الناس يتعلمون منه النطق السليم كما يتعلمون منه الخبر. وكان الراحلان محمود الشاهد وإبراهيم الذهبي – رحمهما الله – إذا قرآ نشرةً إخبارية، شعرت أن العربية تستعيد شيئًا من مجدها، وأن الحروف خرجت من أفواهٍ تعرف قدرها وتحترم رسالتها.

أما اليوم…

فكثيرٌ من الشاشات لم تعد تُقدّم لغةً تُحتذى، بل أخطاءً تتكرر حتى أصبحت مألوفة. تُبتلع الحروف، وتُشوَّه مخارجها، وتُختزل الكلمات، ويُترك المشاهد فريسةً لضعف الأداء، حتى كأن الفصحى أصبحت ضيفًا ثقيلًا في إعلامٍ يُفترض أنه حارسها الأول.

والأشد إيلامًا أن هذا التراجع لم يعد يقتصر على بعض المذيعين، بل امتد إلى خطابات مسؤولين ووزراء. فإذا كان المسؤول نفسه لا يعتني بسلامة لغته، فكيف نطالب الأجيال بأن تعتني بها؟ وإذا كان المنبر الرسمي يتساهل مع اللحن، فمن أين يتعلم الناس الصواب؟

معالي الوزير…

إن الإعلام ليس استوديوهاتٍ وكاميراتٍ وتقنيات بثٍ حديثة فحسب، بل هو رسالة، وأولى رسائله احترام لغة الوطن. ومن حق المواطن أن يسأل: أين برامج التأهيل اللغوي للمذيعين؟ أين لجان التدقيق اللغوي؟ أين المحاسبة حين تتحول نشرات الأخبار إلى ساحاتٍ تتعثر فيها الحروف؟ وأين الحرص على أن يبقى الإعلام الرسمي نموذجًا يُحتذى في سلامة العربية؟

وأين أنتم من صلاح أبو زيد؟ ذلك الرائد الذي وضع اللبنات الأولى للإعلام الأردني، ورسّخ مدرسةً كان احترام العربية فيها جزءًا من احترام الدولة وهيبتها. كان يؤمن بأن المذيع لا يحمل الخبر فحسب، بل يحمل اللغة أيضًا، وأن سلامة اللسان ليست ترفًا ثقافيًا، بل أمانة وطنية. في زمنه كان المذيع يُعدّ إعدادًا لغويًا قبل أن يقف أمام الميكروفون، وكانت الفصحى عنوانًا للكفاءة، لا خيارًا ثانويًا. فكيف وصلنا اليوم إلى مرحلةٍ أصبح فيها اللحن مألوفًا، والخطأ عابرًا، وكأن لغة القرآن لم تعد تجد من يحرسها على شاشاتنا ومنابرنا؟

ولدي سؤال آخر لا يقل وجعًا…

إلى أمانة عمّان الكبرى، وإلى الجهات المختصة بترخيص الأسماء التجارية…

لماذا أصبحت شوارعنا تتزين بأسماءٍ أجنبية، بينما تُزاح العربية عن واجهات المحلات وكأنها لغةٌ لا تليق بالتجارة ولا بالحياة؟

لماذا يُمنح الترخيص لواجهاتٍ لا تكاد تجد فيها حرفًا عربيًا واحدًا؟ ومن أقنعنا أن الاسم الأجنبي أكثر رقيًا، أو أن العربية أقل شأنًا؟

ألهذا الحد أصبحنا نستحي من لغتنا؟

ألهذا الحد صرنا نظن أن قيمة المحل تُقاس بعدد الكلمات الأجنبية المعلقة على واجهته؟

وهل يعجز التاجر عن اختيار اسمٍ عربيٍ جميل يفاخر به، بدل أن يستعير هويةً ليست هويته، ولسانًا ليس لسانه؟

إن اللغة ليست مجرد حروفٍ على لافتة، بل إعلان انتماء، ورسالة حضارية، وصورة وطن. وما قيمة المدن إذا فقدت ملامحها، واستبدلت أسماءها وكلماتها بثقافاتٍ مستوردة؟

إن حماية اللغة ليست ترفًا ثقافيًا، وليست شأنًا يخص اللغويين وحدهم، بل هي مسؤولية وطنية وأخلاقية. فحين يضعف لسان الإعلام، وتغيب العربية عن الأسواق، ويعتاد الناس الخطأ، ويصبح الاسم الأجنبي مدعاةً للفخر، نكون قد بدأنا بالتنازل عن جزءٍ من هويتنا دون أن نشعر.

إننا لا نطلب المستحيل، ولا ندعو إلى التعقيد، وإنما نطالب بالحد الأدنى من الوفاء للغةٍ عظيمة، اختارها الله من بين لغات الأرض جميعًا لتكون لغة القرآن الكريم، ولسان خاتم رسالاته إلى البشرية. وما كان هذا الاصطفاء إلا تكريمًا للعربية، وتشريفًا لأهلها، وتحميلًا لهم أمانة الحفاظ عليها. فهل يليق بأمةٍ شرّفها الله بهذه اللغة أن تكون أول من يفرّط بها؟

اللغة ليست مجرد وسيلةٍ للتخاطب، بل هي هوية، وتاريخ، وانتماء، وذاكرة أمة. وإذا تهاونت الأمم بلغاتها، تهاونت تدريجيًا بحضارتها، حتى تفقد ملامحها وهي لا تشعر.

لسنا ضد التطور، ولا ضد تعلم اللغات الأخرى، فهي جسورٌ للعلم والمعرفة، ولكننا ضد أن يتحول الإعجاب بالآخر إلى تنكرٍ للذات، وضد أن تصبح العربية غريبةً في إعلامها، وغائبةً عن أسواقها، ومستثقلةً على ألسنة أبنائها.

ارحموا العربية…

فهي التي ما خذلتكم يومًا في مواطن الفخر والبيان، فلا تخذلوها في مواطن المحنة والهوان. فهي لسان القرآن، واللغة التي اصطفاها الله من بين لغات الأرض جميعًا لتكون وعاء آخر رسالاته إلى البشرية، أفلا تستحق من أبنائها أن يصونوها كما صانت هويتهم عبر القرون؟

أعيدوا للضاد هيبتها الضائعة، وللقاف جلالها المسلوب، وللكلمة العربية فصاحتها المعهودة.

فالأمم لا تُعلن سقوطها يوم تُهزم جيوشها في ساحات الوغى، ولا حين تهبط مؤشرات اقتصاداتها، بل يبدأ سقوطها الحقيقي يوم تسترخص لغتها، وتهون عليها فصاحتها، وتعتاد اللحن والخطأ، ثم تكف عن الشعور بالخجل والندم.

وإذا استمر هذا المشهد، فلن نكون شهودًا على تطورٍ لغوي، بل على جنازةٍ تُشيَّع كل مساء… اسمها العربية الفصحى.

مدار الساعة ـ