مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

فهد الخيطان: لهذا اختار الأردن هذا الطريق في موقفه من إيران


فهد الخيطان

فهد الخيطان: لهذا اختار الأردن هذا الطريق في موقفه من إيران

مدار الساعة (الجزيرة نت) ـ
فهد الخيطان: لهذا اختار الأردن هذا

لسنوات طويلة مضت لم تفلح الجهود الدبلوماسية والسياسية، في إرساء علاقات وطيدة بين الأردن وإيران. باختصار يمكن وصف العلاقة بين البلدين خلال العقود الأربعة من عمر الثورة الخمينية في إيران، بالاستقرار السلبي.

سجل مقياس العلاقة، فترات قصيرة من التواصل السياسي النشط بين البلدين، تحديدا في عهد رؤساء إصلاحيين في إيران، لكن سرعان ما كانت الأزمات تعود لتغدو الطابع العام للعلاقة المليئة بالشك والحذر.

كان الوجه الظاهر للسياسة الإيرانية، يبدي على الدوام رغبة في تحسين العلاقات مع الأردن، لكن خلف ما يقال في اللقاءات الدبلوماسية والتصريحات الصحفية، كان السلوك الإيراني مصدر قلق أردني شديد، خاصة على المستوى الأمني. وقد تنامى هذا القلق، بعد التدخل العسكري الإيراني في سوريا، خلال سنوات الثورة، ونشاط الحرس الثوري الإيراني، والمليشيات المحسوبة على طهران، في المناطق المحاذية للحدود الأردنية.

وقبل ذلك ومن بعده، محاولات استخبارية إيرانية لاختراق الساحة الأردنية، ونقل السلاح وتخزينه، وتجنيد عناصر تعمل على تنفيذ عمليات داخل الأردن تستهدف مصالح أردنية وأجنبية. خزائن أجهزة الأمن الأردنية متخمة بملفات لعديد العمليات التي تم إحباطها، وأخرى تم إحالتها للقضاء، وصدرت أحكام بحق المتورطين فيها.

لم يكن ملف التدخلات في الأردن هو المشكلة الوحيدة مع إيران، كان للأردن، موقف شديد التحفظ والرفض لسلوك إيران تجاه دول الخليج العربي، والتدخلات الإيرانية التي لا تتوقف في شؤون هذه الدول.

وفي ذروة النفوذ الإيراني في دول المشرق، حيث تحيط الجماعات المحسوبة على إيران بالأردن من مختلف الجهات، كان لدى الحرس الثوري الإيراني، قرار إستراتيجي، بتدشين مركز عمليات لحلفائه في الأردن، بوصفها أقرب وأطول ساحات الاشتباك مع إسرائيل. وقد ازدادت قيمة هذا الهدف بشكل كبير بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وسقوط نظام الأسد والحرب الإسرائيلية على حزب الله، والتي أضرت بقدراته على المواجهة، وأضعفت الحضور الإيراني حينها.

قبيل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الأولى على إيران والتي تعرف بحرب الـ 12 يوما، كانت هناك محاولة لفتح صفحة جديدة مع طهران. لقد حدث بالفعل اختراق دبلوماسي وسياسي وأمني، تمثل بزيارات علنية متبادلة لوزيرَي خارجية البلدين، واجتماعات أمنية مغلقة استضافتها بغداد بين مسؤولين من كلا البلدين.

الملف الأمني كان حاضرا بقوة على الطاولة، بوصفه العقبة الرئيسية التي تحول دون قبول الأردن علاقات ثنائية نشطة مع طهران. أنكر الجانب الإيراني في أول اجتماع قيامه بأي نشاط يهدد أمن واستقرار الأردن. في الاجتماع اللاحق، قدم الجانب الأردني، معلومات تفصيلية موثقة ومدعومة بالأدلة القاطعة على عمليات حاول الحرس الثوري الإيراني تنفيذها في الأردن. وعند هذا الحد توقفت الاتصالات والمحاولات.

إلى جانب التهديد الأمني المباشر، سواء في الداخل الأردني أو عبر الحدود مع سوريا، اعتمدت المليشيات الإيرانية الأردن كمسار رئيسي لتهريب المخدرات صوب السعودية ودول الخليج، وأسست بالتنسيق الكامل مع قوات الأسد مراكز لوجيستية متقدمة على طول الحدود الأردنية مع سوريا. ودخل الأردن بشكل فعلي في حرب مفتوحة مع هذه المليشيات.

لم يكن ملف التدخلات في الأردن هو المشكلة الوحيدة مع إيران، كان للأردن، موقف شديد التحفظ والرفض لسلوك إيران تجاه دول الخليج العربي، والتدخلات الإيرانية التي لا تتوقف في شؤون هذه الدول، وطالما عبر عنها في بيانات وتصريحات رسمية، وأبلغها وجاهيا للجانب الإيراني.

يدرك الأردن أن الوقائع السياسية في مرحلة ما بعد الحرب، تتطلب مقاربة واقعية للعلاقات العربية مع إيران، طالما تبنتها السياسة الأردنية. وبعد الحرب أصبح أكثر إدراكا للحاجة إلى منظومة عربية متكاملة للأمن الإقليمي

بيد أن أحداثا كبرى جاءت لتغير قواعد العلاقة والاشتباك مع طهران فيما بعد: حرب الأربعين يوما التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والهجمات الإيرانية المروعة على دول الخليج والأردن.

في آخر اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره الإيراني عباس عراقجي، قبل الهجوم الأمريكي الإسرائيلي بأكثر من ثلاثة أسابيع، أبلغ الصفدي عراقجي موقف الأردن من التصعيد في المنطقة. الصفدي أكد أن الأردن لن يكون ساحة حرب في أي صراع إقليمي، ولن يسمح بأن تكون أراضيه أو أجواؤه منطلقا لأي عمل عسكري ضد إيران. ودعا لاعتماد الدبلوماسية والحوار سبيلا وحيدا لحل الملف النووي الإيراني. عراقجي بدوره قدر موقف الأردن وجهوده للحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي.

جاءت الأحداث بعد ذلك لتبرهن مرة أخرى، أن الموقف الظاهر لإيران، يختلف جذريا عن سلوكها الفعلي. قبل أن ترد طهران على الضربة الإسرائيلية الكبرى التي نالت من المرشد علي خامنئي، كانت الصواريخ الباليستية والمسيرات المتفجرة تنهال على دول الخليج. ومن ثم محاولة استهداف مواقع أردنية عسكرية ومدنية.

خلال المواجهة التي امتدت لنحو أربعين يوما، وحتى هذا التاريخ، لم تجر أي اتصالات دبلوماسية أردنية إيرانية رسمية، وفق ما أكدت مصادر أردنية.

مقارنة ما خلفته الهجمات الإيرانية على دول خليجية من أضرار، لم يسجل الأردن خسائر بشرية ومادية تذكر، باستثناء إصابات طفيفة لعدد من مواطنيه، وأضرار جانبية في منازل متعددة.
تمالك الأردن نفسه في مواجهة التصعيد الإيراني، ولم يتخل عن مواقفه السياسية المعهودة حيال الأزمة الدولية مع إيران. امتنعت عمّان عن اتخاذ أي إجراء دبلوماسي كالطلب من السفير الإيراني المغادرة أو قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران.

عوضا عن خطوات انفعالية، انخرط الأردن في جهد دبلوماسي بتنسيق كامل مع دول الخليج العربي، لوقف الحرب، والعودة لطاولة المفاوضات من جديد.

المهمة لن تكون سهلة فما بعد الحرب لن يكون أبدا مثل ما كان قبلها. الأكيد أن الطريق بين عمان وطهران سيمر عبر الخليج العربي لا غيره

بهذا المعنى يمكن القول، إن عمّان اختارت عدم التصعيد، من جهة، وإبقاء الباب مفتوحا على خيارات محتملة مع طهران مستقبلا، والأهم ربط تحركها الدبلوماسي بشكل منسق مع الحلفاء الأساسيين في الخليج العربي.

عبر نافذة خليجية واسعة، كان الأردن يتابع التطورات المتلاحقة للأزمة، والجهود الحثيثة للدوحة وأسلام آباد وصولا لتوقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية.

وفي الوقت الذي كانت فيه الجهود منصبة على إدامة وقف إطلاق النار، واستئناف المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، حرصت الدبلوماسية الأردنية على حشد المواقف الخليجية والعربية والدولية، لكبح جماح حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل ومنعها من إفشال المفاوضات، أو البناء على مخرجات الحرب، لفرض وقائع جديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومدينة القدس، وبشكل خاص الحرم القدسي الشريف.

في العموم سلوك حكومة نتنياهو العدواني تجاه دول المنطقة، وسعيها لتأجيج الحرب على إيران، وعدم الاكتراث لمصالح الدول المتضررة، عناصر مجتمعة، ساهمت في تعطيل خطط تطبيع العلاقات مع دول في المنطقة. وهذا ما كان يسعى إليه الأردن وحلفاء آخرون في المنطقة.

يدرك الأردن أن الوقائع السياسية في مرحلة ما بعد الحرب، تتطلب مقاربة واقعية للعلاقات العربية مع إيران، طالما تبنتها السياسة الأردنية. وبعد الحرب أصبح أكثر إدراكا للحاجة إلى منظومة عربية متكاملة للأمن الإقليمي، وشروط جديدة لترسيم علاقات الجوار مع إيران، تحفظ سيادة الدول وعدم التدخل في شوؤنها الداخلية، وتمنع الاعتداء من أي طرف وتضمن حقوق الملاحة في مضيق هرمز، وغيرها من الملفات التي زاد من وطأتها ما وقع من هجمات قوَّضت أسس العلاقة القائمة.

بناء علاقات مع إيران وفق أسس جديدة هو العنوان الأبرز لمرحلة ما بعد الحرب، وتثبيت الوضع القائم بين واشنطن وطهران. وفي هذ الصدد تؤكد مصادر أردنية مسؤولة، أن الأردن سيكون شريكا رئيسيا في أي حوار مقبل بين دول الخليج العربي وإيران حول مستقبل العلاقة بين الطرفين.

الأردن وفق المصادر الرسمية اختار الوقوف إلى جانب دول الخليج في هذه الأزمة دون تردد، وسيواصل العمل معها بخطوات منسقة وموحدة بكل ما يتصل بالشأن الإيراني وعلاقة دول المنطقة معها.

عمليا بدأت اتصالات تشاورية بين عواصم المنطقة بهذا الخصوص، وثمة أفكار كثيرة مطروحة على الطاولة، وملفات يجري إعدادها لقادم الأيام، بانتظار ما ستسفر عنه جولات الدوحة التي انتقل ملف المفاوضات إليها بعد أن تعثرت الخطى في إسلام آباد.

المهمة لن تكون سهلة فما بعد الحرب لن يكون أبدا مثل ما كان قبلها. الأكيد أن الطريق بين عمان وطهران سيمر عبر الخليج العربي لا غيره.

مدار الساعة (الجزيرة نت) ـ