مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

(لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة..) هذه من قواعد اختلاف الرأي في الاسلام

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -فطر الله سبحانه وتعالى البشر على اختلاف وجوه الفهم والرؤية للأمور، وهذه الحقيقة تبرز جمال التنوع الذي يميز الإنسانية.

فقد جعل الله بين الناس تفاوتًا في استيعاب الأحداث وتقدير المواقف، وهذا التنوع ليس عيبًا؛ بل هو تكامل مطلوب يسهم في سير الحياة على الأرض.

لقد أقرّت الشريعة الإسلامية هذا الاختلاف ومنحت الناس مساحة من الحرية تسمح بالخلاف في المسائل التي تحتمل ذلك، مما يعكس حكمة الشارع في اعترافه بتنوع البيئات واختلاف البشر.

تتجلى هذه الحقيقة في تعدد القراءات للقرآن الكريم، وفهم الصحابة الكرام لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، كما يتضح في الحديث المعروف الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بني قريظة،(ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)رواه البخاري حيث اختلف الصحابة في تفسير الأمر ففهم بعض الصحابة أن المراد الاستعجال في السير، وفي نفس الوقت تخوَّف من فوات صلاة العصر، فأسرع بالسير لكنه صلى العصر حين دخل وقته قبل وصولهم إلى بني قريظة، وأخذ بعض الصحابة بظاهر كلامه صلى الله عليه وسلم فأسرع بالسير، ولم يصلِّ العصر إلا في بني قريظة، ولم يُخَّطيء أحد منهم الآخر، ولا أساء إليه، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بما فعله أصحابه لم يعنف أحداً منهم ولا عتب عليه، لأن كلاهما مجتهد، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، مما يدل على أن الاختلاف في الرأي هو اجتهاد مشروع، وقد ذكر النووي في تفسيره لهذا الحديث أن أدلة الشرع تعارضت عند الصحابة، مما يبرز طبيعة الفهم البشري القائم على الاجتهاد والتأويل.

من هذا المنطلق، نشأت المذاهب الإسلامية التي اعتمدت على نصوص الوحيين في قواعدها وأسسها، لكن الخلاف يرد في فهم هذه النصوص، وتقديم بعضها على بعض حسب الصحة، وما يتبع ذلك من نسخ، وعمل، وتنزيل لها في واقع حياة الناس.

وهنا تبرز قيمة الاجتهاد الشخصي وحرية الفكر كعناصر أساسية في تطور الفقه الإسلامي، ومع هذا تجد في مجتمعاتنا اليوم بعض الناس يتجهون نحو الرأي الواحد، وإلغاء الرأي الآخر، وظهور تيارات متطرفة ترفض المخالف حتى لو كان الاختلاف سائغا ويسيرا.

ومن العجيب أنك تجد في زماننا من يسفه الإمام الأعظم أبا حنيفة، ومنهم من استطال في السفه فأصبح يرمي أئمة الإسلام بكل نقيصة، فلم يسلم منهم الكبار من أمثال النووي وابن حجر والسيوطي وغيرهم.

هؤلاء تلقوا من رؤوسهم، ومن المطالعات الحرة علماً جامدا لا يعرف إلا الرأي الواحد، واعتبروا أن كلّ مخالف لهم على الخطأ، و هذا أحد أسباب انتشار التطرف والغلو!.

وما علم هؤلاء أن المخالفة أو الموافقة في الرأي لا تمحو حقاً ولا تثبت باطلاً.

إن النظر إلى الحالة العامة للمجتمعات الإسلامية اليوم يكشف عن تفشي ظاهرة التفرد والإقصاء، مما أدى إلى تشتيت الصفوف وظهور التطرف الفكري، وحصل بموجب ذلك انقسام حاد وأصبح الاستقطاب والاصطفاف سمة سائدة بين الناس، مما أدي إلى تراجع قيم الحوار والتفاهم، وقد ساهم الإعلام المضلل في نشر الفتن والأحقاد، مما زاد من تعقيد الوضع، وأدى إلى فقدان الثقة بين الأفراد.

إن عقلية الرأي الواحد عقلية فرعونية ذمها القرآن، وبين خطل تصورها:{قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}(غافر:29).

وعليه يتعين علينا أن نترك مساحات للتنوع والخلاف، حتى تتلاقح الثقافات ونتبادل الخبرات، فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أولى الناس بها كما أن الاختلاف يمكن أن يكون دافعًا للتطور والنمو، حيث إن تعدد الآراء يعكس غنى الفكر ويعزز الابتكار.

من الضروري أن ندرك أن التعددية ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة تقتضيها الحياة البشرية، فالعقول تتفاوت، وكل عقل يملك نوعًا من التفكير ورؤية خاصة، مما يجعل الفرد يستفيد من تلك الآراء والنقاشات، وقد قيل: "إذا تزاحمت العقول خرج الصواب"، وهذا يعني أن الانفتاح على الأفكار المختلفة يمكن أن يؤدي إلى مزيد من البصيرة والفهم.

تاريخنا الإسلامي مليء بالأمثلة التي توضح كيف يمكن للاختلاف أن يسهم في البناء الحضاري والتقدم، فقد كان الحوار بين العلماء والمفكرين سببًا في ازدهار العلوم والفنون، كما أسهمت المذاهب الفقهية المختلفة في إثراء الفقه الإسلامي وجعله أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع متغيرات العصر.

إذن يجب علينا أن نحتفي بالتنوع الفكري المنضبط، ونعتبره مصدرًا للإثراء والتكامل، مما يسهم في بناء مجتمعات تسودها قيم الوئام والسلام، فالتنوع هو صفة ملازمة للبشر، والخلاف في وجهات النظر، يفتح آفاقًا جديدة ويساهم في النمو والتطور، ولنتذكر دائماً أن الاختلاف ليس مدعاة للفرقة، بل فرصة للثراء الفكري والإبداع.


مدار الساعة ـ