مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العامري يكتب: فجوة الحقيقة وجودة القرار الوطني .. مدخل لتعزيز فعالية مشروع التحديث المؤسسي


العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
مدير التوجيه المعنوي الأسبق.. مستشار ومتخصص في إدارة الاتصال الاستراتيجي

العامري يكتب: فجوة الحقيقة وجودة القرار الوطني .. مدخل لتعزيز فعالية مشروع التحديث المؤسسي

العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
العميد المتقاعد ممدوح سليمان العامري
مدير التوجيه المعنوي الأسبق.. مستشار ومتخصص في إدارة الاتصال الاستراتيجي
مدار الساعة ـ

لا تواجه الدول تحدياتها بسبب نقص الموارد أو تعقيد الأزمات فحسب، وإنما قد تواجهها أيضاً عندما تتسع الفجوة بين الواقع كما هو، والصورة التي تصل إلى دوائر صنع القرار. فكلما اتسعت هذه الفجوة، ازدادت صعوبة اتخاذ القرار الرشيد، مهما كانت كفاءة القيادة أو وضوح الرؤية. ومن هنا، فإن الحقيقة ليست ترفاً فكرياً ولا قيمة أخلاقية مجردة، بل هي شرطٌ أساسي لنجاح الدولة واستدامة قدرتها على الإنجاز.

يمضي الأردن اليوم بثبات في تنفيذ مشروع وطني شامل للتحديث السياسي والإداري والاقتصادي، وهو مشروع استراتيجي لا يستهدف معالجة تحديات المرحلة الراهنة فحسب، بل بناء دولة أكثر كفاءة وقدرة على مواجهة تحولات المستقبل. غير أن نجاح أي مشروع إصلاحي لا يعتمد على التشريعات والسياسات وحدها، وإنما يحتاج إلى بيئة مؤسسية تؤمن بأن الحقيقة هي نقطة الانطلاق لكل إصلاح، وأن المصارحة المسؤولة هي الضمانة الأولى لجودة القرار.

لقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني، في مناسبات عديدة، أن التحديث مشروع دولة طويل الأمد، وأن نجاحه يرتبط بالكفاءة والمساءلة والشفافية وسيادة القانون. وهذه المرتكزات لا يمكن أن تتحول إلى واقع عملي ما لم تُبنَ على ثقافة مؤسسية تجعل الصدق قيمة حاكمة في نقل المعلومات، وتشخيص المشكلات، وتقييم الأداء، وصناعة القرار.

إن أخطر ما قد تواجهه أي مؤسسة ليس وجود الأخطاء، فالأخطاء جزء من العمل البشري، وإنما أن تصبح المجاملة بديلاً عن الحقيقة، وأن يُنظر إلى المصارحة باعتبارها تهديداً، لا فرصة للتصحيح والتطوير. فالدول القوية لا تُقاس بقدرتها على إخفاء المشكلات، بل بقدرتها على اكتشافها مبكراً، والاعتراف بها بثقة، ومعالجتها بكفاءة.

ولذلك، فإن الصدق في الاتصال المؤسسي لم يعد فضيلة إدارية فحسب، بل أصبح أحد مكونات الأمن الوطني. فسلامة القرار الاستراتيجي تعتمد، قبل كل شيء، على دقة المعلومات التي تصل إلى متخذ القرار، وعلى وجود ثقافة مؤسسية تسمح بعرض الحقائق كما هي، لا كما يرغب البعض في أن تبدو. فكل قرار كبير يبدأ بمعلومة، وكل معلومة غير دقيقة قد تُنتج قراراً لا يحقق الغاية المرجوة.

ومن هنا، فإن جودة القرار لا تُبنى فقط على خبرة صانع القرار، بل أيضاً على نزاهة منظومة الاتصال التي تمده بالمعلومات، وعلى شجاعة المؤسسات في تقديم التقييم الموضوعي للأداء، بعيداً عن التبرير أو التجميل أو البحث عن رضا المسؤول على حساب المصلحة العامة.

إن المسؤولية الوطنية تقتضي أن ندرك أن النقد الموضوعي ليس نقيض الولاء، بل أحد أرقى تجلياته. فالمواطن الذي يشخص الخلل بموضوعية ويسهم في تقديم الحلول، إنما يمارس أسمى صور الانتماء، كما أن المسؤول الذي يرحب بالحقيقة، مهما كانت صعبة، إنما يعزز ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة، ويؤسس لثقافة إدارية أكثر نضجاً وفاعلية.

إن الدول التي تحقق التقدم المستدام هي تلك التي تجعل الحقيقة قيمة مؤسسية، لا اجتهاداً فردياً، وتعتبر الشفافية أداة لتحسين الأداء، لا عبئاً إدارياً. أما المجاملة، مهما حسنت نواياها، فقد تحمي مسؤولاً لفترة، لكنها لا تحمي مؤسسة، ولا تبني دولة.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي منظومة إدارية أن تعتاد سماع ما يرضيها، بدلاً مما تحتاج إلى معرفته. فالدول لا تضعف عندما تُقال لها الحقيقة، وإنما عندما تُحجب عنها، أو تُؤجل، أو تُستبدل بصور أكثر راحة وأقل دقة.

إن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات رسمية، بل هو مشروع حضاري متجدد، وهوية جامعة، وعقد ثقة بين القيادة والدولة والمجتمع، وحماية هذا المشروع تبدأ من ترسيخ ثقافة الصدق في الفكر والإدارة والعمل العام، لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي للدول، والحقيقة هي أساس هذه الثقة.

إن مشروع التحديث الذي يقوده الأردن يحتاج اليوم، إلى ثقافة وطنية ومؤسسية تجعل الحقيقة قيمة عليا، والمصارحة مسؤولية وطنية، والنقد الموضوعي أداةً لتطوير الأداء، لا سبباً للإقصاء أو التخوين. فالدول لا تتقدم بما ترغب في سماعه، وإنما بما تملك الشجاعة على معرفته، والإرادة في معالجته.

ويبقى صدق القول في السر والعلن هو الامتحان الحقيقي للولاء والانتماء، وهو الأساس الذي تُبنى عليه الثقة، وتترسخ به الحوكمة الرشيدة، وتنجح من خلاله مشروعات الإصلاح، وتزداد به مناعة الدولة وقدرتها على مواجهة تحديات المستقبل بثقة واقتدار.

مدار الساعة ـ