مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الوجود الجمعي في العالم العربي


غيداء سالم القرالة

الوجود الجمعي في العالم العربي

مدار الساعة ـ

أصبحتْ مسألةُ الوجودِ الجمعيِّ في العالمِ العربيِّ من أكثرِ القضايا تعقيدًا في الوقتِ الحاضر، إذ لم تعدْ مفهومًا واضحًا ذا ملامحَ ثابتة، وسرعانَ ما تلاشى خيطُ سيرِها المستقرّ، بل تحوَّلتْ إلى حالةٍ من التساؤلِ المستمرّ، امتدَّتْ إلى أعماقِ قلبِ الإنسانِ العربيّ، واستقرَّ فيها سؤالُ: «مَنْ أنا؟».

فالإنسانُ العربيُّ اليومَ يعيشُ شعورًا متزايدًا بالاغتراب؛ لا يقتصرُ على الابتعادِ عن وطنِه فحسب، بل يتجلّى في ذاتِه وأناه، وبين أهلِه ومجتمعِه، وفي بيئته وبين أصدقائه، ولم يتوقَّفْ صداهُ عند ذلك، بل امتدَّ ليظهرَ اغترابٌ جديدٌ ذا ملامحَ وحشيةٍ امتدَّتْ يداه إلى روحِه وجسدِه. وهذا التَّشظّي النَّفسيُّ يعكسُ أزمةً حقيقيّةً في الإحساسِ بالانتماءِ وفهمِ الذّات.

من أنا؟ وأين روحي والفؤاد؟

فتتكوَّنُ الهويّةُ الشخصيّة من مجموعةِ عناصرَ متداخلة، مثل: اللُّغة، والتّاريخ، والدِّين، والعادات، والذّاكرةِ الجمعيّة. وفي المجتمعاتِ العربيّة، كانتْ هذه العناصرُ في السّابق تُشكِّلُ حِصنًا منيعًا يمنحُ الفردَ شعورًا بالاستقرارِ والانتماءِ. غيرَ أنّ التَّحوّلاتِ السّياسيّةَ والاجتماعيّةَ والإعلاميّةَ والغزوَ الثقافيَّ الذي مرَّ به العالمُ العربيّ، بدءًا من الاستعمارِ وصولًا إلى الصّراعاتِ الحديثة، ساهمتْ في إضعافِ هذا الحصن، وأدَّتْ إلى تشكُّلِ هويّةٍ متردِّدةٍ، متذبذبةٍ، وغيرِ مستقرة.

وتظهرُ فتاتُ شظاياه بين الفكر والجسد، وغربةٌ فريدةٌ من نوعها أسميتها الغربةَ الوجوديّة.

وتظهرُ الغُربةُ الوجوديّةُ في العالمِ العربيّ بأشكالٍ متعدّدة؛ أبرزُها الاغترابُ السياسيّ، الذي يتجلّى في انفصالِ الفردِ عن قرارِه الوطنيّ، حيث يشعرُ بأنَّ دورَه محدودٌ، وأنَّ رأيَه غيرُ مؤثِّرٍ في واقعِه، كمن يُنادي في صحراءَ صمّاء لا يسمعُ فيها إلّا صداه. كما يظهرُ الاغترابُ الاجتماعيّ في ضعفِ الرّوابطِ الإنسانيّة، والتَّباعدِ النَّفسيّ، ولعلَّ أصعب ما نواجهه اليوم هو استقرار العلاقات الإنسانيّة وتراجع القيم المشتركة؛ إذ سرعانَ ما تفكَّكتِ العائلاتُ، وتفشَّتِ النِّزاعاتُ، ممّا يجعلُ الفردَ أكثرَ عزلةً داخلَ مجتمعِه وأسرته.

فقد ضعفت روابط الأسرة، وضعفت معها المشاعر الإنسانيّة كالحبّ والصدق والأمان، فأصبح الفرد اليوم هاربًا حتى من نفسه، ومن عائلته، ومن تشظّي مشاعره.

أمّا الاغترابُ الثقافيُّ، فيتمثَّلُ في ضياعِ الجذورِ الثقافيّة، والتّقليدِ غيرِ الواعي للثّقافاتِ الأُخرى، الأمرُ الذي يُولِّدُ صراعًا داخليًّا حادًّا يتردّد أثره على محطّ الأنظار والآذان، فيُسمع صوت نحيبه وبكائه؛ فتتشظّى الهويّة، وتتشقّق، وتختلطُ الدّخيلةُ بالهويّةِ الأصليّة، ويغدو الكيانُ ممزَّقًا بين التّقليدِ والحداثة.

ومع استمرارِ هذه الأشكالِ من الاغتراب، يتحوَّلُ الأمرُ إلى حالةٍ نفسيّةٍ يشعرُ فيها الإنسانُ بانفصالٍ عن ذاتِه، فيغدو غريبًا في وطنِه، وفي عُقرِ بيته؛ يعيشُ بلغته وتاريخه بين أسرته، لكنَّه لا يشعرُ بأنَّهما يُعبِّران عنه. ويُعَدُّ هذا النَّوعُ من الاغترابِ الذي لاقته الشّخصيّةُ العربيّةُ الحديثةُ أشدَّ الأنواعِ خطرًا، لأنَّه يُؤثِّرُ في نظرةِ الإنسانِ إلى نفسِه وحياتِه، ويُضعِفُ شعورَه بالمعنى والغاية، فيبدو وكأنَّه يعيشُ في عُقرِ دارٍ عبثيّةٍ صمّاء.

إنَّ الاغترابَ في العالمِ العربيّ ليس حالةً فرديّة، بل هو نتيجةُ ظروفٍ تاريخيّةٍ، وسياسيّةٍ، وثقافيّةٍ متراكمة. وإعادةُ هيكلةِ الهويّة الحديثة تتطلَّبُ وعيًا نقديًّا كاملًا بالواقع، وقدرةً على الموازنةِ بين الأصالةِ والانفتاح، دونَ فقدانِ الخصوصيّةِ أو الوقوعِ في الانغلاق. فالهويّةُ ليست عائقًا، بل عنصرٌ أساسيٌّ يمنحُ الإنسانَ شعورًا بالثّباتِ والانتماءِ.

وفي الختام، يمكنُ القولُ إنَّ أزمةَ الهويّةِ والاغترابِ في العالمِ العربيّ تُعبِّرُ عن صراعٍ داخليٍّ يعيشه الإنسانُ العربيّ بين ماضيه وحاضره ومستقبله الذي يرسم ملامحه. ويبقى البحثُ عن هويّةٍ متوازنةٍ ضرورةً أساسيّة لا بدّ منها، لأنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يشعرَ بالانتماءِ الحقيقيّ ما لم يكنْ متصالحًا مع ذاتِه ومع جذورِه ولغته وأرضه...

مدار الساعة ـ