أعاد الجدل الدائر حول مطالبة العراق بتسليم مطلوبين في قضايا فساد يقيمون خارج أراضيه طرح تساؤلات قانونية مهمة تتعلق بمدى التزام الدول بتسليم المطلوبين، وحدود سيادتها في التعامل مع مثل هذه الطلبات. وفي الأردن، لا يمكن اختزال الإجابة بعبارة "نعم" أو "لا"، لأن نظام تسليم المطلوبين يقوم على توازن دقيق بين احترام الالتزامات الدولية من جهة، وصون السيادة الوطنية والضمانات الدستورية والقضائية من جهة أخرى.
من الناحية القانونية، لا يوجد في القانون الدولي مبدأ يفرض على الدول تسليم أي شخص مطلوب تلقائياً بمجرد ورود طلب من دولة أخرى. فالأصل أن تسليم المطلوبين يعد شكلاً من أشكال التعاون القضائي الدولي، ولا ينشأ إلا في إطار اتفاقية نافذة أو معاهدة ثنائية أو بناءً على مبدأ المعاملة بالمثل إذا كان القانون الوطني يسمح بذلك. لذلك فإن أي طلب للتسليم لا يكتسب صفته الملزمة إلا بعد المرور بالإجراءات القانونية التي يحددها قانون الدولة المطلوب منها التسليم.وفي الحالة الأردنية، يخضع هذا الملف إلى منظومة قانونية متكاملة تشمل الدستور الأردني، والتشريعات الوطنية، والاتفاقيات الدولية والإقليمية التي انضم إليها الأردن، وفي مقدمتها اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي، التي تمثل الإطار الأهم لتنظيم التعاون القضائي بين الدول العربية، بما في ذلك تسليم المطلوبين. إلا أن هذه الاتفاقية، شأنها شأن معظم اتفاقيات التسليم في العالم، لا تفرض التزاماً مطلقاً أو آلياً بالتسليم، وإنما تضع شروطاً وضمانات يجب توافرها قبل اتخاذ أي قرار.ومن أبرز هذه الشروط أن يكون الفعل المطلوب من أجله الشخص يشكل جريمة في كل من الدولة الطالبة والدولة المطلوب منها التسليم، وهو ما يعرف بمبدأ ازدواجية التجريم، إضافة إلى ضرورة أن تكون الجريمة من الجرائم التي يجوز التسليم بشأنها وفق الاتفاقية والقانون الوطني، وألا تكون الدعوى أو العقوبة قد انقضت قانوناً، وأن تكون الوثائق المرفقة بالطلب مستوفية للشروط الشكلية والموضوعية المقررة قانوناً.كما أن الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية تمنح الدولة المطلوب منها التسليم سلطة التحقق من طبيعة الجريمة. فهناك استثناءات مستقرة في القانون الدولي، أبرزها الجرائم ذات الطابع السياسي، إذ تمتنع غالبية الدول عن تسليم الأشخاص المطلوبين بسبب جرائم سياسية أو إذا تبين أن طلب التسليم يخفي دوافع سياسية أو يستهدف المعارضين أو الخصوم السياسيين تحت غطاء الملاحقة الجنائية. كذلك تبرز اعتبارات حقوق الإنسان، إذ قد يُرفض التسليم إذا وجدت أسباب جدية تدعو إلى الاعتقاد بأن الشخص قد يتعرض للتعذيب أو لمحاكمة غير عادلة أو لانتهاكات جسيمة لحقوقه الأساسية.أما في جرائم الفساد، فإن الوضع القانوني يختلف بصورة ملحوظة. فالفساد والاختلاس والرشوة وغسل الأموال والاعتداء على المال العام تعد في الأصل جرائم جنائية عادية وليست جرائم سياسية، وهو ما يجعلها من حيث المبدأ قابلة لأن تكون محلاً لطلبات التسليم إذا استوفت الشروط القانونية والإجرائية كافة. ولذلك فإن مجرد كون القضية تتعلق بالفساد لا يعني وجوب التسليم، كما لا يعني رفضه، وإنما يبقى الفيصل هو مدى توافر الشروط القانونية المنصوص عليها في التشريعات والاتفاقيات النافذة.ومن المهم التأكيد أن القضاء يؤدي الدور المحوري في هذا الملف، فلا يعد قرار التسليم قراراً سياسياً مجرداً، وإنما يخضع لرقابة قضائية تضمن احترام القانون وحقوق الأفراد في آن واحد. فالقضاء يتحقق من اختصاص الجهات الطالبة، وصحة الوثائق، وتوافر أركان الجريمة، وانطباق شروط الاتفاقية، ومدى وجود أي مانع قانوني يحول دون التسليم، قبل الوصول إلى القرار النهائي وفق الإجراءات المقررة.وتزداد المسألة تعقيداً إذا كان الشخص المطلوب يحمل الجنسية الأردنية. فهذه الحالة تثير اعتبارات سيادية ودستورية بالغة الأهمية، إذ إن العديد من الدول تتجه إلى عدم تسليم مواطنيها أو تفرض قيوداً صارمة على ذلك، انطلاقاً من مسؤوليتها الدستورية في حماية مواطنيها وضمان محاكمتهم وفق الضمانات القانونية الواجبة. وفي المقابل، فإن عدم التسليم لا يعني منح المواطن حصانة من الملاحقة، إذ قد ينعقد الاختصاص للقضاء الوطني في بعض الجرائم وفقاً لقواعد الاختصاص المنصوص عليها في التشريعات الأردنية، متى توافرت شروطها القانونية.ولا ينبغي النظر إلى التعاون القضائي الدولي باعتباره انتقاصاً من سيادة الدولة، كما لا يجوز اعتباره التزاماً مطلقاً يجردها من سلطتها في حماية نظامها القانوني. فجوهر هذا التعاون يقوم على تحقيق التوازن بين مكافحة الجريمة العابرة للحدود، وتعزيز الثقة بين الأنظمة القضائية، وفي الوقت ذاته حماية الحقوق والحريات وضمان عدم إساءة استخدام إجراءات التسليم لتحقيق أهداف سياسية أو شخصية أو انتقامية.وفي ضوء ذلك، فإن أي طلب عراقي أو غير عراقي لتسليم مطلوبين موجودين في الأردن، سواء في قضايا فساد أو غيرها، لا يمكن تقييمه بصورة مسبقة أو عامة، بل يجب أن يخضع للدراسة القانونية والقضائية وفق كل حالة على حدة. فالمعيار الحقيقي ليس جنسية الدولة الطالبة ولا حجم القضية أو الزخم الإعلامي المحيط بها، وإنما مدى استيفاء الطلب للشروط القانونية والدستورية والاتفاقية التي تحكم نظام تسليم المطلوبين في الأردن. وهذا النهج لا يعكس تردداً في التعاون الدولي، بل يجسد احتراماً لسيادة القانون، ويؤكد أن العدالة لا تتحقق إلا عندما تُمارس ضمن إطار قانوني يوازن بين مكافحة الجريمة وصيانة الحقوق والضمانات القضائية.حدادين يكتب: هل يُلزم القانون الأردن بتسليم المطلوبين؟
مدار الساعة ـ