مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مادونا تتأمّل ماضيها في Confessions II... ماذا تقول في ألبومها الجديد؟

مدار الساعة,أخبار خفيفة ومنوعة
مدار الساعة (النهار اللبنانية) ـ
حجم الخط

مدار الساعة - بعد عشرين عاماً على Confessions on a Dance Floor، تعود مادونا إلى أحد أكثر ألبوماتها تأثيراً من خلال Confessions II، في خطوة نادرة داخل موسيقى البوب، حيث تُبنى المسيرات الفنية عادةً على القطيعة مع الماضي لا على العودة إليه. يُعيد ألبوم نجمة البوب الجديد قراءة تلك المرحلة في ضوء أربعة عقود من التجربة، مستفيداً من الإرث الشخصي كمادة فنية جديدة.

نادراً ما تصدر أجزاء ثانية في موسيقى البوب، خصوصاً عندما تعود إلى ألبوم حقق مكانة استثنائية قبل عقدين. فالصناعة تقوم على التجديد أكثر من استعادة الماضي، ومادونا نفسها بنت مسيرتها على إعادة الابتكار في الصورة كما في الموسيقى. لكن Confessions II يكسر هذه القاعدة، معيداً النظر في أحد أهم أعمالها، ومحوّلاً تاريخها الفني إلى ركيزة العمل الجديد.

خلف إيقاعاته الراقصة، تأمّل Confessions II في الذاكرة، والعمر الفني، وما يعنيه أن تبقى فناناً مؤثراً بعد أكثر من أربعين عاماً في صناعة متغيّرة. وسواء عُدّ تحفة فنية أو مجرد عودة موفقة، فإن أهميته الثقافية تكمن في قراءته لمعنى التقدّم في السن داخل عالم البوب الذي يمجّد الشباب الدائم. ويجمع الإصدار الجديد بين موسيقى البوب وتأثيرات الفولك، كما يضم لمسات من موسيقى الريغي عبر تعاونها مع المغني الكولومبي فيد.

وفور صدوره، أجمع عدد من النقاد الموسيقيين في مجلات ومواقع، بينها "رولينغ ستون" و"فارايتي" و"الغارديان"، على أن الألبوم يُعدّ أفضل ما قدّمته مادونا منذ عام 2005، ولا سيما بعد الاستقبال الفاتر الذي حظي به ألبوما "Rebel Heart" و"Madame X". ورأت صحيفة "الغارديان" أنّ العمل الجديد هو بلا شك أفضل ألبوماتها منذ "كونفيشنز أون إيه دانس فلور"، وإن كان لا يبلغ المستوى الفني لذلك الألبوم.

لماذا عادت مادونا إلى Confessions؟

السؤال البديهي هو: لماذا اختارت مادونا العودة إلى Confessions الآن؟

يبدو أنّ قرار مادونا (67 عاماً) بالعودة إلى Confessions جاء نتيجة عوامل فنية وشخصية في آن واحد. فقد دفعتها جولة The Celebration Tour، التي احتفت بمسيرتها الممتدة لأكثر من أربعة عقود، إلى إعادة اكتشاف أعمالها القديمة من منظور مختلف. فأداؤها لأغانٍ تمتدّ على عقود، ليلة بعد أخرى، حوّل ماضيها من مادة متحفية إلى رصيد فني حيّ. وبدلاً من الاكتفاء بالاحتفال بإرثها، اختارت أن تضيف إليه فصلاً جديداً.

ثمة سبب آخر يفسّر أهمية Confessions II. فمنذ صدور Confessions on a Dance Floor عام 2005 - والذي حقق نجاحاً عالمياً بفضل أغنيتَي "هانغ أب" و"سوري" - خاضت مادونا سلسلة من التجارب الموسيقية في ألبومات مثل MDNA وRebel Heart وMadame X. تنقّلت بين موسيقى الرقص الإلكترونية، والتراب (trap)، والبوب اللاتيني، والأغاني ذات الطابع السياسي، في محاولة دائمة لاختبار اتجاهات وأساليب جديدة. غير أنّ هذه الأعمال، رغم جرأتها، لم تحظَ بالإجماع الذي رافق أبرز محطات مسيرتها، واعتبر كثيرون أنّها كانت تستجيب لتحولات سوق البوب أكثر ممّا تقودها.

أما Confessions II فيقترح فلسفة مختلفة. فبدلاً من محاولة مجاراة الاتجاهات الموسيقية السائدة، تعود مادونا إلى هويتها الفنية، وتُعيد قراءتها بروح الحاضر.

استمرارية ولا محاكاة

لا مفرّ من مقارنة أيّ جزء ثانٍ لـConfessions on a Dance Floor بالألبوم الأصلي، الذي يُعدّ من أبرز ألبومات البوب في القرن الحادي والعشرين. استند نجاح الألبوم يومها إلى تماسكه البنيوي. فقد صُمّم ليُستمع إليه كوحدة واحدة، إذ تتّصل الأغاني ببعضها عبر انتقالات سلسة تجعل الألبوم يبدو وكأنه مجموعة موسيقية متواصلة، تمتزج فيها إيقاعات الديسكو والإلكترو والهاوس من دون انقطاع، فيما يتدرّج الألبوم من أجواء الاحتفال إلى التأمل من دون أن يفقد وحدته.

أمّا Confessions II فيواصل النهج الذي ميّز الألبوم الأصلي، مع الحفاظ على الانتقالات السلسة بين الأغاني، لكنه يوسّع عالمه الموسيقي. فبدلاً من الاكتفاء بتأثيرات الديسكو، يستلهم أنماطاً مختلفة من موسيقى الهاوس وثقافة النوادي التي ازدهرت في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، إلى جانب لمسات من موسيقى trip-hop والإلكترونيات الهادئة.

ويعود الفضل في ذلك إلى ستيوارت برايس، الذي يُعيد تقديم الأصوات القديمة بلغة إنتاج حديثة. فبدلاً من الإيقاعات الصاخبة والإنتاج المضغوط الذي يهيمن على كثير من موسيقى البوب اليوم، يترك الألبوم مساحة أكبر للتفاصيل، ولتطور الأغاني تدريجياً، بما يشجع على الاستماع إلى العمل كاملاً، لا إلى مقاطع قصيرة مصمّمة للانتشار عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويتحدّى هذا القرار الاقتصاد الموسيقي المعاصر الذي تحكمه الخوارزميات.

ماذا يقول ألبوم مادونا الجديد؟

في Confessions on a Dance Floor عام 2005، كانت النوادي الليلية مسرحاً للحرية والمتعة. أما في Confessions II، فتتحول إلى مكان تستعيد فيه مادونا بداياتها، إذ إنّ الألبوم ليس عن النوادي الليلية، بل عن امرأة تتذكر نفسها وشبابها.

يستعيد الألبوم بدايات مادونا في نوادي نيويورك خلال الثمانينيات. وترتبط العودة بالحنين من جهة، وبالتجارب اللاحقة التي صنعت شخصيتها الفنية، من الشهرة والنجاح إلى الخسارات والانتقادات. ولهذا يبدو Confessions II أقرب إلى مراجعة لمسيرتها منه إلى محاولة تكرار نجاح ألبوم صدر قبل عشرين عاماً.

ويطرح العمل، في الوقت نفسه، سؤالاً أوسع يتعلق بمكانة الفنانة المتقدمة في العمر داخل صناعة تحتفي بالشباب. فبدلاً من تجاهل الزمن أو محاولة إخفائه، تتعامل مادونا معه بوصفه جزءاً من تجربتها الفنية، وهو ما يمنح الألبوم بُعده الإنساني.

ويعود جزء كبير من تماسك Confessions II إلى عودة التعاون بين مادونا والمنتج ستيوارت برايس، الذي كان شريكها في Confessions on a Dance Floor. ويحافظ برايس على الأسلوب الذي ميّز الألبوم الأصلي، لكنه يقدّمه بصوت أكثر حداثة، مع إنتاج يمنح الأغاني مساحة للتطور تدريجياً بدلاً من السعي وراء التأثير الفوري.

إرث وإعادة ابتكار

إذا نجح ألبوم Confessions II فنياً، فلأنّ أبرز تطوراته لا تكمن في الموسيقى بقدر ما تكمن في الكلمات. فمادونا التي قادت Confessions on a Dance Floor عام 2005 ظهرت آنذاك واثقة، مغوية، وممسّكة بزمام مشاعرها. وبعد عشرين عاماً، لا تزال تحتفظ بروح التحدي نفسها، إلا أن الثقة المطلقة أفسحت المجال لتأمّلٍ أعمق في الذات. ولا تزال حلبة الرقص فضاءً للتحرر، لكنها أصبحت أيضاً مساحةً للمواجهة والمحاسبة الذاتية.

في الألبوم، تعود مادونا إلى محطات أساسية في حياتها، لكن من دون نسج حكاية أسطورية عن نفسها. في أغنية "Danceteria"، تستعيد بداياتها في مشهد النوادي الليلية وسط نيويورك، ذلك العالم الذي ساهم في تشكيلها فنّياً، إلى جانب أسماء مثل كيث هارينغ وجان ميشيل باسكيات. أما في "Fragile" والأغنية الختامية "L.E.S. Girl"، فتبتعد عن السرد المباشر لحياتها، وتذهب نحو مساحة أكثر تأمّلاً، حيث تحضر موضوعات الحزن والفقدان ومتطلّبات البقاء بصدق عاطفي نادراً ما أخذ هذا الحيز في أعمالها السابقة.

إطلالة مادونا في الميت غالا 2026. (أ ف ب)

إطلالة مادونا في الميت غالا 2026. (أ ف ب)

ولعلّ أبرز ما يميّز الألبوم هو استعداد مادونا للكشف عن جانب أكثر هشاشة في شخصيتها، هي التي عُرفت بقدرتها على التحكم في صورتها العامة، وكانت تواجه الانتقادات غالباً بالاستفزاز أو السخرية أو قلب المعادلة لمصلحتها. أما هنا، فلا تبدو منشغلة بإثبات تفوقها أو كسب الجدل، بقدر ما تنظر إلى تلك المواجهات من مسافة، والتساؤل عمّا تركته فيها من أثر. وهذه النبرة الأكثر هدوءاً تُضفي على شخصيتها الفنية عمقاً ونضجاً.

تعويل على الجيل الجديد؟

من ناحية أخرى، كثيراً ما يستعين نجوم البوب أصحاب الإرث الطويل بفنانين أصغر سناً لاستعارة شيء من راهنيتهم، وقائمة ضيوف مادونا تشهد. فالتعاونات الفنّية جزء من البناء الفني نفسه، ولكنها أيضاً وسيلة لمجاراة خوارزميات البث واستقطاب جمهور أصغر سناً.

تشارك سابرينا كاربنتر في أغنية "Bring Your Love" التي تتجاوز فكرة اللقاء بين جيلين لتطرح أسئلة عن الهوية والاعتراف وتقدير الذات، فيما تمنح "The Test"، التي تجمع مادونا بابنتها لورديس ليون (لولا)، الألبوم واحدة من أكثر لحظاته خصوصية وإنسانية. أما حضور ستروماي (My Sins Are My Savior) ومارتن غاركس (Bizarre) وفيد (Read My Lips)، فاستعانة بأسماء رائجة من جهة، وتبادل بين عوالم موسيقية مختلفة من جهة أخرى، مع بقاء مادونا في قلب المشروع الإبداعي.

يسبح Confessions II اليوم عكس التيار، إذ لا يلهث وراء الإيقاع السريع الذي تفرضه منصات البث، بل يمنح أغانيه الوقت الكافي لتتطور وتكشف عن طبقاتها تدريجياً. كما تحافظ الانتقالات السلسة بين المقطوعات على وحدة التجربة، فيما تفسح المقاطع الموسيقية الممتدة مجالاً لبناء المزاج العام بدلاً من السعي إلى التأثير اللحظي. ولهذا يراهن الألبوم على تماسكه الفني كوحدة متكاملة، أكثر مما يراهن على إنتاج أغانٍ مصممة لقوائم التشغيل أو للاستهلاك السريع.

لا يعني ذلك أنّ مادونا تدير ظهرها لواقع صناعة الموسيقى اليوم، بل إنها تتعامل معه بشروطها الخاصة. فهي تستفيد من منصات البث كوسيلة للوصول إلى الجمهور، لكنها ترفض أن تملي الخوارزميات شكل موسيقاها أو طريقة بنائها.

وفي نهاية المطاف، تكمن أهمية Confessions II في أنه يقدّم تصوراً مختلفاً لما يمكن أن تكون عليه المرحلة المتأخرة من المسيرة الفنية. فبدلاً من ملاحقة الشباب أو الارتماء في أحضان الحنين، تختار مادونا أن تواجه ماضيها والإفادة منه كمادة للإبداع لا عبئاً ينبغي التخلص منه، فيصبح الزمن جزءاً من مشروعها الفني.

وبعد عشرين عاماً على Confessions on a Dance Floor، لا تزال حلبة الرقص تحتل قلب عالمها الإبداعي، لكنها لم تعد ترمز إلى الهروب أو إعادة اختراع الذات فحسب. لقد غدت فضاءً تستعيد فيه ذاكرتها، وتراجع رحلتها، وتُعيد قراءة إرثها الفني. ومن خلال هذا الألبوم، تذكّر مادونا بأن القيمة الثقافية للفنان لا تُقاس بقدرته على ملاحقة الجديد باستمرار، بل أيضاً بقدرته على إعادة اكتشاف نفسه، ومنح تاريخه معاني جديدة مع مرور الزمن.


مدار الساعة (النهار اللبنانية) ـ