ليست المشكلة في أن تقع قضايا فساد. فهذه آفة عرفتها كل الدول، ولم يسلم منها مجتمع مهما بلغت قوة مؤسساته. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح اكتشاف الفساد نهاية الحكاية لا بدايتها، وعندما تتحول المحاسبة إلى استثناء، بينما يصبح الإفلات من العقاب هو القاعدة غير المعلنة.
في الحياة اليومية يردد الناس عبارة تبدو عابرة: "ولد وأخطأ... مرقوها". غير أن هذه العبارة، في السياسة والإدارة، تتحول أحيانا إلى فلسفة كاملة في إدارة الأزمات. فلسفة تقوم على احتواء الفضيحة، لا محاسبة المتسبب بها، وعلى حماية الموقع، لا حماية القانون.وهكذا لا يعود الفساد جريمة تستوجب العقاب، بل يصبح "خطأ في التقدير". ولا يعود المسؤول متهما، بل شخصا "اجتهد ولم يحالفه التوفيق"، وبين هذا وذاك تضيع الحقيقة، ويضيع معها المال العام، فيما يبقى صاحب القرار بعيداً عن المساءلة.ولهذا يتكرر السؤال نفسه كلما انفجرت قضية جديدة: إذا كان الجميع يتحدث عن الفساد، فأين الفاسدون؟ربما لأننا نجيد صناعة منطقة رمادية بين الجريمة والعقوبة، منطقة تتحول فيها الملفات إلى لجان، واللجان إلى تقارير، والتقارير إلى أرشيف، بينما يتوارى المسؤولون خلف شبكة من العلاقات والمصالح والاعتبارات التي تجعل الوصول إليهم أكثر صعوبة من الوصول إلى الحقيقة نفسها.أنا هنا لا أتحدث عن شخص بعينه، ولا عن قضية محددة. أتحدث عن فكرة أصبحت جزءا من الوعي العام، حتى بات الناس يعتقدون أن بعض الكراسي تملك حصانة غير مكتوبة، وأن من يجلس عليها لا يخضع للقواعد نفسها التي يخضع لها الآخرون.المشكلة أن هذا الشعور لا يضرب هيبة القانون فقط، بل يضرب الثقة بالدولة أيضا، لأن العدالة لا تقاس بعدد القوانين، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الجميع دون تمييز. وحين يقتنع المواطن بأن القانون سريع مع الضعيف ومتردد مع القوي، فإنه لا يفقد ثقته بالفاسد، بل يفقد ثقته بمن يفترض أنه يحاسب الفاسد.ولعل أخطر ما في هذه الثقافة أنها لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل قبلها، فهي تمنح صاحب النفوذ شعورا مبكرا بالأمان، وتغريه بالاعتقاد أن شبكة المصالح التي أوصلته إلى موقعه ستكون قادرة على حمايته إذا انكشفت أفعاله. لهذا لا يصبح السؤال: لماذا انتشر الفساد؟السؤال الحقيقي هو: لماذا يطمئن بعض الفاسدين إلى أنهم لن يدفعوا الثمن؟الدول لا تنهار لأن فيها فاسدين، فهذه حقيقة عرفها التاريخ منذ القدم. لكنها تبدأ بالتآكل عندما تصبح المحاسبة انتقائية، وعندما تتحول الكراسي إلى ملاجئ آمنة، لا تصل إليها يد القانون. وعندها لا تكون المشكلة وجود فساد بلا فاسدين، بل وجود منظومة تعرف كل شيء، إلا كيف تجعل القانون يقف على المسافة نفسها من الجميع.قبيلات يكتب: ولد وأخطأ... فلسفة الإفلات من العقاب
ابراهيم قبيلات
عضو مجلس نقابة الصحفيين الاردنيين
عضو مجلس نقابة الصحفيين الاردنيين
مدار الساعة ـ