مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الفساد لا يهزم دولة مؤسسات


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

الفساد لا يهزم دولة مؤسسات

مدار الساعة ـ

أؤمن بأن قوة الدول لا تُقاس بغياب الأخطاء أو انعدام مظاهر الفساد، فهذا أمر لم تعرفه أي دولة في العالم، وإنما تُقاس بقدرتها على كشف الخلل، وتصحيح المسار، وتطبيق القانون على الجميع دون تردد. ومن هذا المنطلق، فإنني أرفض خطابين متناقضين؛ خطاباً يصور الأردن وكأنه خالٍ من أي خلل، وخطاباً آخر يحاول أن يهدم ثقة الناس بمؤسسات الدولة ويصورها وكأنها عاجزة عن حماية نفسها. الحقيقة، في رأيي، تقع في المنتصف، وهي أن الأردن دولة قوية بمؤسساتها، وقادرة على الإصلاح كلما توفرت الإرادة، وقادرة على حماية نفسها بالقانون قبل أي شيء آخر.

أنا لا أنكر وجود مظاهر فساد، ولا أعتقد أن الاعتراف بها ينتقص من هيبة الدولة. على العكس تماماً، فالدولة الواثقة هي التي تواجه أخطاءها بشجاعة، ولا تخفيها، ولا تبررها. لكنني في الوقت ذاته أرفض التعميم، لأن التعميم ظلم، ولأن آلاف الموظفين والمسؤولين والقضاة ورجال إنفاذ القانون يؤدون أعمالهم بإخلاص ونزاهة كل يوم، ولا يجوز أن يُحاكموا بسبب أخطاء أفراد.

وأعتقد أن أخطر أنواع الفساد ليس دائماً ذلك الذي يظهر في قضية مالية أو رشوة أو اختلاس، فهذا النوع، مهما بلغت خطورته، يجد في النهاية من يلاحقه ويحقق فيه ويقدمه إلى العدالة. أما الأخطر فهو كل سلوك يضعف هيبة القانون، أو يعطل مصالح الناس، أو يهز ثقة المواطن بالدولة. عندما يشعر المواطن أن العدالة بطيئة، أو أن القرار يتأخر بلا مبرر، أو أن الكفاءة تتراجع أمام المصالح الشخصية، فإن الضرر لا يقع على شخص واحد، بل يمتد إلى صورة الدولة بأكملها.

ورغم ذلك، فإنني ما زلت أرى أن الأردن يمتلك واحدة من أهم ركائز الاستقرار في المنطقة، وهي مؤسساته. لقد مرت على هذا الوطن أزمات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، لكن الدولة بقيت واقفة، لأن المؤسسات بقيت تعمل، ولأن القانون بقي هو المرجعية، ولأن الدولة لم تُبنَ على الأشخاص، وإنما على منظومة دستورية ومؤسسية راسخة.

وأكن كل الاحترام والتقدير للقضاء الأردني، لأنه كان وسيبقى صمام الأمان الحقيقي. فمن يعمل في القانون يدرك قيمة وجود قضاء مستقل ورصين يحكم بين الناس وفق القانون، ويعيد الحقوق إلى أصحابها، ويضع الجميع تحت مظلة العدالة. قد نختلف أحياناً مع اجتهاد أو حكم، لكن ذلك لا ينتقص من مكانة القضاء ولا من رسالته، فالقضاء الأردني يمثل أحد أهم أسباب الثقة بالدولة، وهو الحارس الحقيقي لسيادة القانون.

كما أن المنظومة القانونية الأردنية، برغم حاجتها المستمرة إلى التطوير ومواكبة المتغيرات، أثبتت أنها منظومة متماسكة وقادرة على حماية الحقوق وتنظيم العلاقات وحفظ الاستقرار. فالقوانين وحدها لا تكفي، لكن وجودها، إلى جانب قضاء قوي ومؤسسات رقابية فاعلة، يمنح الدولة أدوات حقيقية لمواجهة أي انحراف أو تجاوز.

وأرى أن مكافحة الفساد لا تكون بكثرة الشعارات، ولا بالمزايدات، ولا بتحويل كل قضية إلى مادة للإحباط والتشكيك بالدولة. بل تبدأ عندما نرسخ ثقافة احترام القانون، وعندما تكون المحاسبة عادلة وسريعة، وعندما يشعر كل مسؤول أن المنصب تكليف ومسؤولية، وليس امتيازاً أو حصانة.

وفي المقابل، علينا أن نحافظ على ثقة الناس بمؤسساتهم. فالهجوم غير المنصف على الدولة لا يخدم الإصلاح، بل يخدم الفاسدين، لأن الفاسد يستفيد عندما يفقد المواطن ثقته بالقانون وبالقضاء وبأجهزة الرقابة. أما الدولة القوية فهي التي يثق مواطنها بأن أي تجاوز، مهما طال الزمن، سيجد طريقه إلى المحاسبة.

لقد أثبت الأردن مراراً أنه قادر على تصحيح أخطائه، وأن مؤسساته تراجع نفسها باستمرار، وأن الدولة لا تتردد في اتخاذ الإجراءات القانونية عندما تثبت المخالفات. وهذه هي الصورة التي يجب أن نعززها؛ دولة تحاسب، لا دولة تتستر، ودولة تطبق القانون، لا دولة تميز بين الناس.

أنا متفائل بالأردن، ليس لأن التحديات قليلة، بل لأنني أثق بمؤسساته، وأثق بقضائه، وأثق بأن سيادة القانون ستبقى الأساس الذي يحمي هذا الوطن. فالأردن لم يصل إلى ما هو عليه بالمصادفة، وإنما ببناء مؤسسي تراكمي، وبإيمان راسخ بأن القانون هو الضامن الحقيقي للاستقرار.

سيبقى الأردن بخير، وستبقى مؤسساته ثابتة، وسيبقى القضاء الأردني بالمرصاد لكل من يحاول العبث بالمال العام أو إساءة استعمال السلطة، وستظل سيادة القانون عنوان قوة الدولة وهيبتها. فالأوطان لا يحميها الصراخ، وإنما تحميها مؤسسات عادلة، وقضاء نزيه، وقانون يُطبق على الجميع دون استثناء، وهذا، في اعتقادي، هو الطريق الذي سيبقي الأردن قوياً وآمناً ومستقراً.

مدار الساعة ـ